2026-08-17

آبار الدفن

 


كتب الاثري باسم ابو زيد 

فاكر لما كلمتك عن اساليب الدفن عند المصري القديم ؟ 

اللي قدامك ده الأسلوب رقم 10 اللي هو نظام الآبار 

دي اوستراكا حجريه مرسوم عليها نموذج لمقبره من نوعيه الآبار و ازاي بيدفنوا الجثه في البئر 

طول الاوستراكا 14 سم بترجع لسنه 1450 قبل الميلاد لاقوها في طيبه و موجوده دلوقتي في متحف جامعه مانشستر.

تأمين المقابر الفراعنة

 

كتب الاثري باسم ابو زيد 

إيه هي الطرق اللي لجأ لها المصري القديم في تأمين و حمايه المقابر ؟! 

المصري القديم كان على علم و على درايه أنه هيتحاسب بعد ما يموت في العالم الاخر و عشان كده كان لازم اللي بيصمم المقبره يبتكر طرق تمنع اقتحام حجره الدفن و يحمي المومياء و أي حاجه تتحط مع المومياء 

اول محاوله لحمايه حجره الدفن ظهرت في مصاطب الاسره الاولى لما عملوا حجره الدفن في قاع بير منحوت كان عمقه من مترين ل 3 متر بعد كده قفلوا الحجره نفسها بحجر ضخم 

و في بدايه الاسره التالته لجأ المصري القديم لطرق تانيه و خليني اعرفك عليها .. 

أولها التابوت الخشبي بتاع المتوفي اللي كان مابيقدمش الحمايه للمومياء فإتغير و ظهر التابوت الحجري في الاسره التالته و ساعتها كانت معظم التوابيت من الحجر الجيري 

أما بالنسبه لكبار الشخصيات في نفس العصر ده فتوابيتهم كانت من أحجار أشد في الصلاه زي الجيرانيت و الكوارتز 

و عايز اقولك أن التوابيت المصنوعه من الحجر الجيري فشلت في حماية المومياء فكان من السهل تكسير غطا التابوت أما التوابيت المصنوعه من الجيرانيت و الكوارتز فكانت بتمثل تحدي صعب ل اللصوص اللي اكتفوا بزحزحه غطا التابوت بالقدر اللي يسمح بالوصول للمومياء 

تاني طريقه و هي وضع التابوت في فتحه في ارضيه غرفه الدفن بحيث يوصل لحافه الحفره زي اللي في هرم خفرع عشان لو حد عرف يميل التابوت ساعتها يسقط الغطا باللي فيه 

الاسلوب التالت بيرجع لعصر الدوله القديمه و ده بيعتمد فيه على زحلقه الغطا على طول التابوت اللي بيدخل معاه في فتحه في نهايته 

و بيسقط وتدين من المعدن من اخرام في الغطا جوه اخرام مقابله في حافه التابوت زي تابوت خفرع و تابوت منكاورع 

الاسلوب الرابع بيرجع لعصر الدوله الحديثه اللي زاد فيها حجم التابوت عن طريق أنه كان بيحاوطها بأطنان من الجيرانيت و يحط المومياء في اكتر من تابوت من الخشب جوه كذه مقصوره يعني بيحط المومياء جوه تابوت و يحط التابوت في تابوت و يحط التابوتين اللي في بعض في تابوت كبير بعد كده يدخلهم في مقصوره صغيره اللي بتدخل في مقصوره كبيره اللي بيدخلوا كلهم في مقصوره اكبر زي ما شوفنا في مقبره توت عنخ امون

اسلوب خامس ظهرلك من الاسره الرابعه لحد الاسره السادسه و هو ابواب بتتزحلق و سدادات حجريه جوه ممرات ألاهرام اللي كان من الصعب تكسيرها بشكل خاص الممرات اللي بتوديك على حجره الدفن

و كمان هتلاقي أن الهرمين بتوع امنمحات الرابع بالذات الهرم الشمالي اللي فيه بابين الاول وزنه 24 طن و التاني 42 طن 

الاسلوب رقم 6 عباره عن ممرات تمويه و ابواب سريه لتضليل اللصوص زي هرم امنمحات التالت في هواره 

و في بعض الأحيان كانوا بيعملوا غرفه دفن كاذبه لخداع اللصوص أما الحجره الحقيقيه فكانت بتبقى على عمق ابعد 

الاسلوب السابع بيرجع لتحتمس الاول اللي قالك أنا هنقل المقبره في وادي منعزل ورا منحدرات الدير البحري في "وادي الملوك" و كان هو اول واحد يدفن هناك .. ساعتها كلف المهندس بتاعه "انيني" يصمم له المقبره و قعد شهرين يدور على مكان ناحيه الغرب لحد ما لقى مكان بين الجبال يصلح أنه يكون المثوى الاخير لجثمان تحتمس الاول 

 قصه نحت مقبره تحتمس الاول موجوده في مقبره المهندس انيني اللي كتب : وحيدا قام بقياده هؤلاء الذين حفروا مقبره جلالته دون أن يراهم أحد أو يسمعهم أحد .. 

اسلوب رقم 8 و فيه تم تزويد المقبره الملكيه في البر الغربي ب بير يسد الطريق على الغرفه اللي قبل غرفه الدفن و يسد برضه الطريق قدام مياه السيول اللي ممكن تتسرب جوه غرفه الدفن في طفره هندسيه مزاجها عالي 

اسلوب رقم 9 اسمه اسلوب كاميرات المراقبه أو تقدر تسميه اسلوب فضيحه اللصوص ام جلاجل .. 

في الاسره 22 و 26 كهنه المعبد قالوا لك ماهو لو احنا عملنا المقبره في وادي الملوك المنعزل ممكن اللصوص تروح تفتح المقبره هناك و يكسروا من غير ما حد يسمع لهم حس .. احنا هندفن الملك في ساحه المعبد الرئيسيه عشان تبقى المقبره تحت عينينا زي ما حصل في تانيس

اسلوب رقم 10 و فيه اتحقق للمصري القديم مراده في حمايه المقبره و الجثه عن طريق كذه حاجه عملها في المقبره .. اسمع بقى 

حفر بير اتساعه 10 متر و عمقه 30 متر و في قاع البير صمم حجره الدفن اللي كانت مربعه و سقفها حجر فيه 3 فتحات بيتقفلوا بأواني فخاريه بحيث تكون قاعده الأواني الفخاريه لتحت و بتتثبت بملاط بعد كده يحفر بير موازي اتساعه أقل بيوصل لحجره الدفن برضه عن طريق دهليز ضيق افقي يتسد ب 3 كتل حجريه ضخمه 

و يملى البير الاولاني بالرمل لحد نهايته و بعد ما يخلصوا مراسم الدفن و يقفلوا التابوت ع المومياء يقوموا كاسرين اواني فخارية قبل ما يمشوا من غرفه الدفن فيدخل فيها رمله لحد ما تملاها و بعدها العمال بيمشوا من غرفه الدفن عن طريق الدهليز الضيق اللي ف البير التاني و أثناء ما هم خارجين بيقفلوه ب 3 كتل صخرية كبيره و بيطلعوا بالحبال من البير التاني الموازي للبير الاول و بعد ما يخرجوا يملوا البير اللي طلعوا منه ده بالرمل برضه 

كده لو حاول اي حد يدخل المقبره لازم يزخل من البير الموازي بعد ما يزيح الرمل و لو زاح الرمل ده لو يعني .. هيدخل في الدهليز الضيق هيلاقي قدامه 3 كتل صخرية و لو زاح ال 3 كتل صخرية ده لو يعني .. هيلاقي قدامه طوفان من الرمل اللي هتنهال عليه من السقف و احتمال يندفن تحتها زي بالظبط مقبره "امون تف نخت" في سقاره .. شوفت بقى 


اخر اسلوب .. اللجوء للسحر 

لجأ المصري القديم للسحر كخط تاني يدافع بيه عن مقبرته و ده زاد في العصر المتأخر كمان اللي درس اثار مصريه عنده معلومه إن الفصل 137 من فصول كتاب الموتى كان بيتكتب على أربع نماذج من الطوب الصلصال و كانت النماذج دي بتتحط في جدران حجره الدفن 

عندك كمان التمائم اللي كان غرضها حمايه المتوفي 

عايز اقولك أن اللجوء للسحر في حمايه المتوفي كان عباره عن تحذير وبس .. يعني ماكانش بيحصل اي حاجه لو حد دخل المقبره 

طب هو لجأ للسحر و العبارات التحذيريه ليه ؟ 

عشان المصري القديم كان إيمانه قوي بالعالم الاخر و بكتابات كتاب الموتى 

عباره تحذيريه زي ايه ؟ .. زي اللي كانت مكتوبه فوق باب مقبره توت عنخ امون 

"الموت سوف يمس بجناحيه من سوف يقلق فى أبدية الملك الذى يرقد فى هذا المكان" 

لو شايف إن البوست كان دسم و نال اعجابك .. اعمل شير و خللي اللي مايعرفش يعرف .

لا تهتم

دكتور محمد الشافعي 

" لا تحاول تحسين صورتك لأحد ، كلنا عاديون في نظر من لا يعرفنا ، مغرورون في نظر من يكرهنا ، جيدون في نظر من يعرفنا ، رائعون في نظر من يحبنا "

.........

هذه العبارة تختصر فلسفة إنسانية عميقة، وتضع الإنسان أمام حقيقة غالبًا ما يغفل عنها وهو يسعى لإرضاء الآخرين. فمحاولة تحسين الصورة في أعين الناس جهد لا نهاية له، لأن العيون التي تنظر إلينا ليست واحدة، والمعايير التي تُقاس بها أفعالنا متباينة بتباين النفوس والخلفيات والتجارب.

فالإنسان في نظر من لا يعرفه شخص عادي، لا تميّزه سيرة ولا تُحيطه هالة، لأنه ببساطة لم يمنحه بعد فرصة الحضور في الذاكرة أو الوجدان. وفي نظر من يكرهه، يصبح مغرورًا مهما تواضع، ومخطئًا مهما أصاب، إذ إن الكراهية لا ترى الوقائع بل تفسّرها على هواها، وتحمّل الأفعال ما لا تحتمل. أما في نظر من يعرفه حق المعرفة، فتتضح الصورة أكثر عدلًا واتزانًا؛ تُرى العيوب كما هي، وتُقدَّر المزايا دون تهويل، فيكون الحكم أقرب إلى الحقيقة.

ويبقى أصدق الأحكام وأقربها إلى القلب هو حكم من يحبنا. فالمحب يرى فينا ما لا نراه أحيانًا في أنفسنا، ويلمس الجمال في تفاصيلنا الصغيرة، ويغفر الزلل، ويضخّم الفضائل، لا خداعًا بل بدافع القرب والود. عنده نصبح “رائعين” لأن الحب لا يقيس الناس بميزان صارم، بل ينظر إليهم بعين الرحمة والانتماء.

من هنا، يصبح السعي المحموم لتلميع الصورة أمام الجميع ضربًا من الوهم. فلا صورة واحدة ترضي كل الأذواق، ولا سلوك واحد ينجو من التأويل. الأجدر بالإنسان أن ينشغل بسلامه الداخلي، وأن يكون صادقًا مع نفسه، مستقيمًا مع قيمه، مطمئنًا إلى أن اختلاف نظرة الناس إليه أمر طبيعي لا يعيبه ولا ينقص منه. فحين تصفو علاقتنا بأنفسنا، تتضاءل حاجتنا إلى تصديق الآخرين، ونفهم أن قيمتنا الحقيقية لا تُستمد من كثرة الإعجاب، بل من عمق الصدق.

2026-08-16

لمن هذا الشعار



دكتور محمد الشافعي 

ومن الظواهر الأخرى التي تستحق التأمل انتشار بعض الشعارات الاجتماعية التي تبدو، في ظاهرها، بريئة ومبهجة، لكنها حين توضع في سياق المجتمع كله تكشف عن سؤال أكثر عمقًا.

من ذلك مثلًا شعار «يلا ساحل».

والسؤال هنا ليس عن الساحل، ولا عن حق الإنسان في أن يستمتع بوقته، فلكل إنسان أن ينفق ماله كيف يشاء، ما دام في حدود القانون والقيم. لكن السؤال: هل هذا الشعار يعبر فعلًا عن المجتمع كله؟

أي ساحل هذا الذي ندعو الناس إليه، بينما هناك من يكدح طوال الشهر كي يدفع فواتيره، ويواجه ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويحاول أن يوازن بين ضروريات الحياة ودخله المحدود؟

هل يمكن أن يصبح نمط حياة فئة ميسورة شعارًا عامًا لمجتمع بأكمله؟

الأمر يشبه أن نضع نافذة فاخرة أمام بيت يئن أهله من ضيق المعيشة، ثم نطلب منهم أن يتأملوا جمال المشهد.

حين يصبح حضور حفلة لمطربة بمئات الآلاف من الجنيهات أمرًا ممكنًا لفئة محدودة، فليس من المنطقي أن تتحول تلك القدرة إلى معيار للسعادة أو عنوان لحياة الناس جميعًا. المشكلة ليست فيمن يملك المال وينفقه، وإنما في تحويل حياة الأقلية إلى صورة تبدو وكأنها حياة المجتمع كله.

وهنا تكمن خطورة بعض الشعارات؛ فهي لا تصف الواقع بقدر ما تصنع صورة انتقائية له، ثم تدفع الناس إلى مقارنة حياتهم بها، فيشعر من لا يستطيع مجاراتها بأنه متأخر، بينما الحقيقة أن المشكلة ليست في حياته، وإنما في الصورة التي قُدِّمت له باعتبارها الحياة الطبيعية.

وليس هذا سوى مثال واحد على ظواهر كثيرة أصبحت تحتاج إلى قدر من التأمل الهادئ، بعيدًا عن الانبهار بما يلمع، وعن التسليم بكل ما يشيع لمجرد أنه شائع.

فالمجتمع لا يُقاس بما يظهر في الواجهات، ولا بما تصنعه وسائل التواصل من صور براقة، وإنما بما يسكن أعماقه من علم، وقيم، ووعي، وعدل، واحترام للإنسان.

ولعل ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الضجيج، وإنما قليلًا من التوقف أمام المرآة؛ أن نسأل أنفسنا بصدق: إلى أين نمضي؟ وماذا يحدث في أعماق مجتمعنا ونحن منشغلون بمراقبة سطحه؟

وللحديث عن تلك الظواهر بقية............ إن شاء الله 

ثمار الحكمة




دكتور محمد الشافعي 

حين تصبح الرؤية أكثر وضوحًا

كثيرًا ما أجدني حائرًا أمام بعض الظواهر، متأملًا بعض الشخصيات، محاولًا أن أفهم ما وراء المشهد لا ما يظهر على سطحه. وأحيانًا ألوم نفسي حين أجد حكمي قاسيًا بعض الشيء، وأتساءل: هل كنت متشددًا في قراءتي للأشخاص والأحداث؟

لكن الإنسان لا يصل إلى رؤيته من فراغ، ولا تتشكل أحكامه الناضجة في ليلة واحدة. فما أراه اليوم هو حصيلة سنوات طويلة من الحياة، بما حملته من تجارب، وما تركته من ندوب، وما منحته من دروس؛ حصيلة مواقف عشتها، ووجوه عرفتها، ونجاحات وإخفاقات مررت بها، إلى جانب ما تراكم من معرفة وثقافة واختلاط بالناس.

ومع مرور الزمن، يصبح الإنسان أشبه بمن يقف على ربوة؛ يرى المشهد أوسع، ويميز التفاصيل التي قد لا يراها من يقف في قلب الزحام. ولا تعني هذه الرؤية أن الإنسان معصوم من الخطأ، لكنها تمنحه قدرة أكبر على التمييز، حين يستند في أحكامه إلى الدين، والمبادئ، والقيم، والميزان الأخلاقي.

وما يزيدني اطمئنانًا إلى بعض رؤاي أنني أجد، من وقت إلى آخر، شخصيات واعية وذات حيثية فكرية تلتقي معي في القراءة نفسها. عندها أدرك أن ما ظننته يومًا قسوة في الحكم قد يكون في الحقيقة وضوحًا في الرؤية، وأن العزلة عن بعض الأفكار لا تعني بالضرورة الخطأ.

ومن أكثر الظواهر التي ما زالت تستوقفني، بل وتحيرني، ذلك التراجع الملحوظ في المستوى العلمي والمعرفي لدى بعض طلاب الجامعة. والأشد إيلامًا أن تبدو بعض الدفعات أقل استعدادًا للتعلم من سابقتها؛ فتضيق مساحة الاهتمام بالمعرفة، وتتسع مساحة الانشغال بالتفاهات، حتى أصبح بعض الطلاب يتعاملون مع التعليم بوصفه عبئًا ينبغي التخلص منه، لا فرصة لبناء العقل وصناعة المستقبل.

ولا يتوقف الأمر عند الجانب العلمي وحده، بل يثير القلق كذلك ما نلمسه أحيانًا من تراجع في منظومة القيم والانضباط السلوكي. فالجامعة التي يفترض أن تصنع عقلًا أكثر نضجًا، وشخصية أكثر وعيًا، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد محطة للحصول على شهادة.

2026-08-15

ما لا يراه أحد

 


دكتور محمد الشافعي 

ثمة أناس يتجاوزون أشياء كثيرة في صمت؛ يتعثرون، ثم يمضون، ينكسر في داخلهم شيء، ثم يعيدون ترتيب أنفسهم وكأن شيئًا لم يكن. يواصلون الطريق بهدوءٍ بالغ، حتى يظن من يراهم أنهم لم يعرفوا يومًا معنى السقوط.

ولا أحد يعرف كمّ التعب الذي يسكن خلف ذلك الهدوء. فالمظهر المرتب لا يكشف فوضى الداخل، والابتسامة لا تعني دائمًا أن القلب بخير. أحيانًا تكون الابتسامة آخر ما تبقّى للإنسان من قدرته على التماسك.

ولن يفهمك الجميع؛ لأنك قد تتحدث عن طريقٍ قطعت فيه آلاف الأميال من التفكير، بينما لم يخطُ الآخرون فيه خطوة واحدة. وقد تشرح شعورًا أرهق قلبك لليالٍ طويلة، لمن لم يطرق هذا الشعور قلبه يومًا.

ليس ذلك ذنبهم، ولا عجزًا منك عن التعبير؛ إنما هي المسافة الهائلة بين أن تسمع عن التجربة وأن تعيشها، بين أن تعرف الكلمات وأن تعرف وجعها.

لذلك، لا تنتظر دائمًا أن يفهمك الآخرون. يكفي أحيانًا أن تعرف أنت كم مرة سقطت، وكم مرة نهضت، وكم معركة خضتها دون أن يراك أحد.

فبعض الانتصارات لا تصفق لها الجماهير؛ لأنها حدثت في صمتٍ كامل، داخل إنسانٍ قرر أن يتجاوز كل شيء… دون أن يشرح لأحد كيف فعل ذلك.

لمن يحبك


 

دكتور محمد الشافعي 

كلما تقدم بنا العمر، تغيّرت أشياء كثيرة فينا؛ لم نعد نبحث عن كثرة العلاقات، ولا عن صخب الحضور، ولا عن الذين يملكون القدرة على إبهارنا، بقدر ما نبحث عن إنسان يمنحنا شعورًا بسيطًا وعميقًا: أننا محبوبون.

في البدايات، ربما نذهب خلف من نحب، ونبذل الكثير كي نحظى بقربه واهتمامه. أما حين تنضج بنا الحياة، ندرك أن أجمل العلاقات ليست تلك التي نتعب في إثبات قيمتنا فيها، وإنما تلك التي نشعر فيها أننا موضع تقدير دون أن نطلبه.

لذلك، كلما كبرت، اقترب ممن يحبك، لا ممن يجعلك تركض خلف محبته. اذهب إلى من يفرح بوجودك، ويسأل عنك حين تغيب، ويعرف قدرك دون أن تضطر كل مرة إلى تذكيره به.

فالعمر لا يحتمل كثيرًا من العلاقات المرهقة؛ وما نحتاجه في نهايات الطريق ليس قلبًا نتوسل إليه الحب، وإنما قلبًا يمنحنا الأمان لأننا محبوبون.

وقد يكون هذا هو النضج الحقيقي: أن تتوقف عن البحث عمن تحبه فقط، وتبدأ في تقدير من يحبك كما أنت.

واخيرا كلما تقدم بنا العمر، قلَّ احتياجنا إلى الانبهار، وزاد احتياجنا إلى الطمأنينة.

تصالح مع الذات


 

دكتور محمد الشافعي 

سلامٌ يبدأ من الداخل

من أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان أن يبلغ تلك المنطقة الهادئة من الحياة؛ حيث يسكن قلبه السلام، وتطمئن نفسه، ويشعر بالأمان والراحة، ويحيط به قدرٌ من السلام الاجتماعي يجعله أقل انشغالًا بالناس وأكثر انشغالًا بسلامه الداخلي.

وهذا السلام لا يبدأ من الخارج، وإنما يبدأ من البيت؛ من الأسرة التي ينبغي أن تكون موطن السكينة لا ساحة الحسابات. يبدأ من علاقة طيبة بين الزوجين، ومن الود والاحترام بين كل طرف وأهل الطرف الآخر. وما أجمل أن تنظر إلى والدي زوجتك باعتبارهما امتدادًا طبيعيًا لأسرتك، لا طرفًا آخر تقف معه على الواحدة، أو تبحث له عن الزلات.

حين تحضر المحبة والثقة والاحترام، تضيق مساحة التلكيك، وتسقط الرغبة في تصيد الأخطاء، ويصبح الاختلاف عابرًا لا يفسد للود قضية.

ثم يمتد هذا السلام إلى الجيران؛ فما أجمل أن تعيش بين أناسٍ يعرف كلٌّ منهم حدوده، يحفظ خصوصية غيره، ولا يجعل من حياة الآخرين مادةً للفضول والتدخل.

أما العمل، فله عندي قاعدة تعلمتها بعد ستة وثلاثين عامًا في الجامعة: الزميل زميل، وليس بالضرورة أن يكون صديقًا.

لا أقول إن تكون بينك وبين زملائك مودةٌ واحترامٌ وثقة أمرٌ سيئ، بل هو من أجمل ما يجعل بيئة العمل محتملة ومريحة. لكن الصداقة شيء آخر. وبخاصة زملاء القسم والتخصص؛ فالأصل أن تبقى العلاقة في إطارها المهني الراقي: محبة بلا ابتذال، وثقة بلا سذاجة، وقرب بلا كشفٍ كامل للخصوصيات. فليس كل من يشاركك مكتبًا أو تخصصًا يصلح أن تشاركه حياتك.

وهذه ليست دعوةً إلى سوء الظن، وإنما إلى حسن التقدير؛ فالعلاقات درجات، والحكمة أن تعرف لكل علاقة دائرتها وحدودها.

ويبقى أهم دوائر السلام: أن يتصالح الإنسان مع نفسه، وأن يحرص على ما يرضي الله، وأن يحتفظ بأخلاقٍ قديمةٍ كادت تضيع في زمنٍ كثرت فيه القسوة وقلّ فيه الأدب.

أن تتحدث بذوق، وتختلف بأدب، وتحترم الكبير والصغير، وأن تعامل الإنسان بما يليق بإنسانيته، حتى لو كان عامل نظافة في الطريق؛ فكرامة الإنسان لا تتحدد بمهنته، وإنما بما له من حرمةٍ وحق في الاحترام.

الحياة ليست في كثرة العلاقات، ولا في أن يكون الجميع أصدقاءك؛ بل في أن تعرف من تُقرّبه، ومن تُحسن معاملته، ومن تضع بينك وبينه مسافةً تحفظ بها الود.

فالسلام النفسي ليس أن تخلو حياتك من الناس، وإنما أن تخلو من العلاقات التي تُفسد سلامك.

2026-08-14

ذكرى لا تؤلم

 



دكتور محمد الشافعي 

ذكرى عام

هناك أيامٌ لا نعرف، ونحن نعيشها، أنها ستظل عالقة في الذاكرة طويلًا. تمرّ عادية في بدايتها، ثم تأتي لحظة صغيرة فتقسمها إلى ما قبلها وما بعدها.

اليوم يمر عام على واحد من تلك الأيام.

كان يوم جمعة، مثل اليوم تمامًا. أديت صلاة الجمعة، ثم تواصلت مع الدكتور عبد الرازق، واتفقنا أن نتوجه معًا إلى قرية بجوار طنطا لأداء واجب العزاء في وفاة والد أحد أصدقائنا. وبعد قليل هاتفني يخبرني أنه أصبح قريبًا مني، وأن عليّ أن أنزل سريعًا.

وفي عجلة النزول، حدث ما لم يكن في الحسبان.

اصطدمت بالكرسي الصلب، فانخلع إصبعي من موضعه وانكسر، وانحرف بكامله ناحية الإصبع الصغير. لحظة واحدة كانت كافية لأن يتحول يوم عادي إلى ذكرى لا تُنسى.

ومع ذلك نزلت، وذهبنا لأداء واجب العزاء، ثم عدت إلى البيت، والإصبع يحمل ألمه في صمت.

وفي اليوم التالي ذهبت إلى المستشفى. قطع الطبيب البنطلون حتى يتمكن من وضع الجبس، وبدأت رحلة خمسة وعشرين يومًا من الجبس وتقييد الحركة. خمسة وعشرون يومًا اكتشفت فيها أن الإنسان قد يملك جسدًا كاملًا، ثم يعجزه جزء صغير منه عن أشياء كان يفعلها دون أن يفكر.

التأم الكسر، والحمد لله، لكن الإصبع التحم في وضع غير صحيح. وما زلت حتى اليوم أضع له البلاستر أحيانًا، لأدفعه إلى موضعه الصحيح، وكأنني أذكّره بأن المكان الذي اختاره لنفسه ليس هو المكان الذي ينبغي أن يكون فيه.

الغريب أنني لا أذكر من ذلك العام الألم وحده، بل أذكر تفاصيل اليوم كله.

أذكر صلاة الجمعة، ومكالمة الدكتور عبد الرازق، وعجلتي في النزول، والكرسي الصلب، وواجب العزاء، ثم العودة، ثم المستشفى، والجبس، والأيام الطويلة التي كنت فيها مقيد الحركة.

الذاكرة، أحيانًا، لا تحفظ الأحداث الكبيرة وحدها؛ قد تحتفظ بتفصيل صغير لا قيمة له في نظر الآخرين، لكنه يصبح جزءًا من تاريخك أنت.

وعندما أتأمل تلك الحادثة بعد عام، أجد أن إصبعًا واحدًا كان كافيًا ليعلّمني درسًا لا ننتبه إليه ونحن في كامل عافيتنا: أن النعمة التي نعتاد وجودها تتحول إلى شيء لا نراه، حتى نفقد جزءًا منها.

كم من حركة نؤديها كل يوم دون تفكير، وكم من نعمة في أجسادنا لا نمنحها لحظة امتنان؛ حتى يأتي ألم صغير فيضعنا أمام حقيقتنا.

لذلك لم تعد ذكرى ذلك اليوم بالنسبة لي ذكرى كسر إصبع فحسب. إنها ذكرى يوم علّمني، دون أن يقصد، أن العافية ليست أمرًا عاديًا، وأن القدرة على الحركة نعمة، وأن التفاصيل التي نمر عليها كل يوم بلا انتباه قد تكون من أعظم ما نملك.

عامٌ كامل مضى.

التأم الكسر، وانتهى الجبس، وعادت الحركة إلى طبيعتها تقريبًا، لكن شيئًا من ذلك اليوم بقي.

بقي الإصبع يحمل أثره، وبقيت الذاكرة تحمل تفاصيله، وبقي الحمد في القلب على نعمة العافية.

فبعض الحوادث لا تترك في الجسد أثرًا فقط؛ تترك في الإنسان عينًا جديدة يرى بها ما كان يملكه طوال الوقت ولم يكن يراه.

والحمد لله على كل حال.

لا يشبهني


 

دكتور محمد الشافعي 

كبرتُ بما يكفي لأكتشف أن الإنسان قد يعيش بين الناس، دون أن يشبههم تمامًا.

أجلس أحيانًا فأرى من حولي يركضون خلف أشياء لا أجد فيها ما يستحق كل هذا الركض؛ يفرحون بصورة مع مشهور، ويتحمسون لانتصار فريق لم يلعبوا فيه، ويتعلقون بممثل أو لاعب حتى يصبح جزءًا من حياتهم، ويمنحون ساعات طويلة لدراما قد لا تستحق منها إلا دقائق، بينما يتسرب العمر من بين أيديهم في هدوء.

وأتساءل: متى أصبحت الشهرة قيمة في ذاتها؟ ومتى صار الشائع جديرًا بالاتباع لمجرد أنه شائع؟

لست ضد الفن، ولا ضد الرياضة، ولا أرى في اختيارات الآخرين ما يبرر السخرية منهم. لكنني ببساطة لا أستطيع أن أمنح اهتمامي لما لا أراه جديرًا به.

حتى الدراما لم تستطع أن تستولي على وقتي.

كيف يمكن أن أُعلّق يومي على حكاية تمتد ثلاثين حلقة، وأنتظر أسبوعًا بعد أسبوع لأعرف ما حدث، ثم أكتشف أن دقائق قليلة من الحكاية قد تمددت إلى ساعات بفعل الإعلانات والفواصل.

ربما لأنني أصبحت أكثر حرصًا على عقلي ووقتي؛ فالوقت عندي ليس شيئًا زائدًا في الحياة، بل هو الحياة نفسها. وما أهبُه لشيء لا يعني لي شيئًا، إنما أقتطعه من عمري.

ولذلك لا أجد حرجًا في أن أكون مختلفًا.

أنا ابن زمن أُعجبت فيه بالأصوات التي كانت تحمل وراءها ثقافة وإحساسًا وصنعة؛ زمن عبد الوهاب ومحمد فوزي وفريد الأطرش وغيرهم. لذلك لم أستطع أن أساوي بين ما أسمعه اليوم وبين ما تركه أولئك من أثر. وليس رفضي لأسماء بعينها رفضًا للعصر، وإنما لأن الذائقة التي تشكلت في داخلي لا تزال تبحث عن شيء أعمق من مجرد الانتشار.

اتذوق فن عبد الوهاب ومحمد فوزي وفريد الأطرش، لا لأنهم من زمن مضى، وإنما لأن الفن عندي ليس مجرد شهرة. ولا أجد نفسي مشجعًا لفريق، لأنني لم أجد في كرة القدم ما يستحق أن يصبح انتماءً. ولا أطيق أن أُسلّم وقتي لحكاية تلفزيونية تمتد أسابيع، بينما يمكن أن تُقال في ساعة.

وفي الفن تحديدًا، أشعر أن المسافة بين ما أراه فنًا وبين ما يُقدَّم لنا باعتباره فنًا قد اتسعت كثيرًا.

ولست من محبي الاستماع إلى الأغاني أصلًا، لكنني أعرف شيئًا عن الفن الجميل، وأعرف الفرق بين المطرب وبين صاحب الشهرة. لذلك لا أستطيع أن أضع عمرو دياب أو تامر حسني في قائمة المطربين الذين أقدرهم، بل أقولها صراحة: أنا لا أعتبرهما مطربين بالمعنى الذي أفهمه للمطرب.

فالمطرب عندي ليس مجرد صوت مشهور، ولا وجهًا مألوفًا، ولا اسمًا تتصدر أغانيه المنصات. المطرب قيمة فنية، وصوت له شخصية، وإحساس، وقدرة على حمل الكلمة واللحن.

وحين أعود إلى عبد الوهاب، ومحمد فوزي، وفريد الأطرش وغيرهم، أفهم لماذا كان الفن يومًا صنعة وإبداعًا، لا مجرد صناعة للنجومية.

قد أكون مخطئًا في بعض ذوقي، وقد يكون الآخرون أصدق مني في ذوقهم، لكنني تعلمت شيئًا واحدًا:

ليس كل ما يحبه الناس يجب أن أحبه، وليس كل ما يشغلهم يستحق أن يشغلني.

فالاختلاف الحقيقي ليس أن تمشي عكس الآخرين، وإنما أن تعرف لماذا تمشي في طريقك.

وأن يكون لك عقلٌ تقول به:

هذا يعجبكم... لكنه لا يشبهني.

2026-08-13

ما لا يعنيك


دكتور محمد الشافعي 

ما لا يعنينا

ثمة أشياء كثيرة في هذه الحياة لا ينقصها الكلام، بل ينقصها أن نتركها وشأنها.

فليس كل بابٍ نراه مفتوحًا دعوةً للدخول، ولا كل حكايةٍ تصل إلى مسامعنا تمنحنا حقًّا في أن نصبح جزءًا منها. بعض التفاصيل خُلقت لتبقى في أصحابها، وبعض الصمت أكرم من ألف سؤال.

لكننا، في أحيان كثيرة، نمنح أنفسنا حقوقًا لم يمنحها لنا أحد؛ نتسلل إلى حياة الآخرين، نفتش في اختياراتهم، نفسّر دوافعهم، ونضع أفعالهم على ميزان أحكامنا، ثم نمضي مطمئنين كأننا أدّينا واجبًا لا فضولًا.

لو أن كل إنسان ألزم لسانه حدوده، وأبقى أنفه حيث ينبغي أن يكون، وأدرك أن للناس خصوصيات لا تُستباح، لاختلفت أشياء كثيرة في هذه الدنيا.

والحقيقة أن الإنسان لا يرى من حياة غيره إلا صفحةً واحدة، وربما صفحةً مبتورة من منتصف الحكاية. لا يعرف ما سبقها، ولا ما أثقل صاحبها، ولا كم مرةً حاول أن يبدو بخير وهو ليس كذلك.

لذلك، ليس كل ما نعرفه يستحق أن نعلنه، ولا كل ما نراه يحق لنا أن نحكم عليه، ولا كل ما نسمعه أمانةٌ في أعناقنا لنحمله إلى الآخرين.

هناك حكمةٌ نادرة في أن يعرف المرء أين يتوقف؛ أن يردّ بصره إلى حياته، ولسانه إلى صمته، وفضوله إلى حدوده.

فقد يكون أعظم ما تفعله لإنسانٍ لا تعرف حكايته كاملة، أن تترك له حقه في أن يعيشها كما يشاء، وأن تنجو أنت من خطيئةٍ لم تكن مضطرًا إليها.

لسنا مطالبين بأن نحمل العالم على أكتافنا، ولا أن نُصلح كل ما لا يعجبنا، ولا أن نكون قضاةً على الناس.

ولسنا أوصياء على الناس، ولا نملك مفاتيح قلوبهم حتى نحاكم نياتهم، ولا نعرف تفاصيل حياتهم حتى نصدر أحكامنا عليهم. وما نراه من المشهد قد يكون جزءًا صغيرًا من حكاية طويلة لا نعرف أولها ولا آخرها.

يكفينا أن نُحسن السير في طريقنا، دون أن نؤذي أحدًا ونحن نمر.

فكم من ذنبٍ حملناه على ألسنتنا، ولم يكن لنا فيه شأن…

وكم من سلامٍ كان يمكن أن يبقى، لو أننا فقط تركنا ما لا يعنينا لأصحابه.

فما أجمل أن يعيش الإنسان نظيف القلب واللسان؛ لا يتعقب عثرات الناس، ولا يفتش في دفاترهم، ولا يحمل من أوزارهم ما ليس له.

لو فعلنا ذلك، لخفَّ عن الناس كثير من الأذى، ولعاشت القلوب أكثر سلامًا، ولأصبح العالم بالفعل… أهدأ وأجمل.

2026-08-12

ثراء القلوب


 

دكتور محمد الشافعي 

ليس العطاء دائمًا ما يُقاس بما تخرجه الأيدي، بل كثيرًا ما يُوزن بما تتحمله القلوب. فهناك من يواسيك وهو يحمل في صدره من الوجع ما لو وُزِّع على الناس لأثقلهم، ومع ذلك يختار أن يخفف عنك، لا أن يزيدك همًا. وهناك من يبتسم في وجهك، لا لأن الحياة أغدقت عليه أسباب الفرح، بل لأنه يدرك أن ابتسامته قد تكون طوق نجاة لقلبٍ أوشك أن يغرق في اليأس.

إن أسمى صور الإيثار ليست مقصورة على المال والمتاع، فذلك باب من أبواب الكرم، لكنه ليس الباب الوحيد. فقد يمنحك إنسان جزءًا من وقته وهو في أمسِّ الحاجة إلى الراحة، ويصغي إلى شكواك بينما تضج نفسه بآلام لا يسمعها أحد. وربما يقتسم معك آخر ما بقي لديه من صبر، ويزرع في نفسك بذور الأمل، في حين يقف هو وحيدًا يصارع قسوة أيامه بصمتٍ لا يراه الناس.

وهنا تتجلى عظمة النفوس؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر حين يعطي مما فاض عنه، وإنما حين يمنح مما يحتاج إليه. فمن السهل أن يجود المرء بما استغنى عنه، أما أن يبذل وهو محتاج، وأن يساند وهو منهك، وأن يربت على كتف غيره بينما يبحث هو عمن يربت على كتفه، فذلك خلق لا يبلغه إلا أصحاب القلوب الكبيرة.

ولعل أجمل ما في المودة الصادقة أنها لا تنتظر المقابل، ولا تبحث عن الثناء، بل تنبع من إحساس عميق بالإنسانية. فالكلمة الطيبة قد تكون دواءً لا يقل أثرًا عن الدواء، والابتسامة الصادقة قد تبدد عتمة يومٍ كامل، والاحتواء في لحظة انكسار قد يعيد إلى النفس توازنها بعد أن كادت تفقده.

ومن الحكمة ألا ننخدع بالمظاهر؛ فليس كل هادئٍ مطمئنًا، ولا كل باسِمٍ سعيدًا، ولا كل قويٍّ خالٍ من الضعف. فكثير من الناس يخفون آلامهم خلف وجوه هادئة، ويختارون أن يكونوا مصدرًا للنور، رغم أنهم يسيرون في عتمتهم الخاصة. ولذلك فإن اللطف مع الآخرين ليس مجرد خُلُقٍ حسن، بل هو اعتراف ضمني بأن لكل إنسان معركةً لا نعرف تفاصيلها.

ومن الوفاء أيضًا أن نحسن استقبال الود، وألا نستخف بالمشاعر الصادقة، فالكلمة المخلصة، والسؤال الصادق، والمساندة النابعة من القلب، ليست أمورًا عابرة، بل هي هدايا لا تُشترى، ولا تُقاس بثمن. وقد يكون أعظم ما يقدمه لك إنسان هو شعورك بأنك لست وحدك، وأن هناك قلبًا يحمل معك بعضًا من أثقال الطريق.

فلنُقدِّر أصحاب القلوب النقية، ولنعلم أن أثمن العطايا ليست تلك التي تملأ الأيدي، بل التي تُحيي الأرواح. وما أكثر الأغنياء بالمال الفقراء في المشاعر، وما أكثر البسطاء الذين يملكون من ثراء القلب ما يجعلهم يهبون الآخرين قوةً على مواصلة الحياة.

فإذا صادفت في طريقك قلبًا احتواك في ضعفك، وآنس وحدتك، وشاركك شيئًا من صبره وأمله، فلا تمر على ذلك مرور العابرين؛ فإن الود الصادق عملة نادرة، وإذا فُقدت، لا يعوضها مال، ولا يشتريها جاه.


2026-08-10

حين نقترب

 



كتابة ورؤية وفكرة/ أميرة غانم 

حين نقترب من الإنسان

ثمة أشخاص نخطئ في قراءتهم من النظرة الأولى؛ نراهم من بعيد، فنحسبهم صعبي المراس، شديدي الحزم، وربما نظن أن الاقتراب منهم يحتاج إلى كثير من الحذر. ثم تمضي الأيام، وتمنحنا فرصة أن نعرفهم عن قرب، فنكتشف أن الصورة التي رسمناها في أذهاننا لم تكن إلا ظلًّا بعيدًا للحقيقة.

فالإنسان ليس وجهًا واحدًا، ولا تُقرأ شخصيته من ملامحه أو صوته أو طريقته في التعامل أمام الناس. لكل إنسان أبواب لا تُفتح من بعيد، وتفاصيل لا تظهر إلا لمن اقترب، وتجاويف في الروح قد تخفي وراء الصرامة الظاهرة قلبًا بالغ الرقة.

وهكذا كان اكتشافي للدكتور محمد الشافعي مختلفًا تمامًا.

عرفته منذ سنوات، وكنت أراه في الكلية أستاذًا له هيبته، وحضوره، وطريقته التي تجعل الاقتراب منه يبدو أمرًا ليس سهلًا. لكنني، بعد أن اقتربت منه، اكتشفت أنني لم أكن أعرفه حقًا.

هناك إنسان آخر خلف تلك الصورة؛ إنسان شديد البساطة في تعامله، عظيم التسامح، كريم القلب، يحب الخير للناس، ويمنح من حوله قدرًا كبيرًا من الاحترام والمودة. والأجمل أن علاقته بأصدقائه لا تنتهي برحيلهم؛ فهو يحتفظ لمن غابوا بمكانهم، ويذكرهم بالخير، وكأن الوفاء عنده لا تعترف به الأيام ولا يقطعه الموت.

وقد اكتشفت أيضًا أن التعامل معه ليس صعبًا كما قد يتصور البعض؛ بل هو في غاية البساطة: خذ قلبه بالكلمة الطيبة، تجده لك قبل أن تطلبه.

لكن الطيبة لا تعني أن كل أحد يستطيع الوصول إليه؛ فثمة فرق بين أن يكون الإنسان بسيطًا في تعامله، وبين أن يكون سهل القراءة. وبعض القلوب لا تُمنح مفاتيحها إلا لمن عرف كيف يقترب منها باحترام وصدق.

ولعل أجمل ما نتعلمه من هذه التجربة أن بعض الناس يحتاجون إلى أن نقترب منهم لا أن نحكم عليهم، وأن وراء كثير من الوجوه التي نظنها قاسية قلوبًا لم تتح لها الفرصة بعد لتظهر حقيقتها.

فلا تتعجل الحكم على إنسان من المسافة التي تقف فيها منه؛ فبعض البشر لا تُرى أجمل صفاتهم إلا حين نقترب.


ميزان الحقيقة



 

دكتور محمد الشافعي 

 ما وراء الكلمات

يُقال إن الإنسان يسمع بأذنه، لكنه يفهم بعقله، ويرى بعينيه، لكنه يُدرك ببصيرته. وبين السمع والرؤية مساحة واسعة لا يملؤها إلا الفهم، ولا يعبرها إلا من امتلك حسن التقدير وسلامة الحكم.

ولذلك فإن من الحكمة أن نعامل الناس بما نراه من أفعالهم، لا بما نسمعه عنهم. فالكلمات قد تُزيَّن، والروايات قد تُلوَّن، والآراء قد تُحمَّل بالأهواء والمصالح، أما السلوك فهو اللغة التي يصعب تزويرها، وهو الشاهد الذي لا يحتاج إلى مترجم.

لقد امتلأت الحياة بأحكام بُنيت على إشاعة، أو شهادة ناقصة، أو انطباع عابر، فضاعت بسببها حقوق، وانكسرت علاقات، وخسر الناس أشخاصًا كانوا يستحقون الإنصاف. وما أكثر الذين أُدينوا في مجالس الغيبة، ثم برأتهم الأيام حين تكشفت الحقائق. وما أكثر الذين مُدحوا بألسنة الناس، ثم كشفت المواقف أن الثناء لم يكن إلا ستارًا يخفي حقيقة أخرى.

إن الإنسان العاقل لا يجعل أذنه قاضيًا، بل يجعلها وسيلة للاستماع، ثم يعرض ما سمعه على ميزان العقل والخبرة والواقع. فلا يُسلم بكل ما يُقال، ولا يرفض كل ما يسمع، وإنما يتثبت، لأن الحقيقة لا تُولد من رواية واحدة، بل من جمع الشواهد والنظر إليها بعين الإنصاف.

والناس في هذا الزمان أصبحوا أسرع إلى نقل الأخبار من التحقق منها، وأسرع إلى إصدار الأحكام من مراجعتها. وكأن الكلمة التي تُقال أصبحت في نظر البعض حقيقة لا تقبل النقاش، مع أنها قد تكون نصف حقيقة، أو ربع حقيقة، أو محض افتراء. ومن هنا كانت المسؤولية الأخلاقية تقتضي ألا نكون أسرى لما يصل إلى آذاننا، بل أن نُخضعه لميزان العقل والضمير.

إن التعامل مع الناس وفق ما نراه من أخلاقهم، وصدقهم، وأمانتهم، وثبات مواقفهم، يمنحنا عدالة في الحكم وراحة في النفس. فالأفعال لا تجامل، والمواقف لا تنافق، والزمن كفيل بكشف معادن البشر، إذ قد تُخفي الكلمات الحقيقة زمنًا، لكنها لا تستطيع إخفاءها إلى الأبد.

وليس المقصود أن نهمل النصيحة أو نتجاهل التحذير، وإنما المقصود ألا نجعل السماع وحده أساسًا للحكم. فالإنصاف يقتضي أن نرى، وأن نتحقق، وأن نمنح الآخرين فرصةً تُثبت حقيقتهم بأفعالهم لا بأقوال غيرهم.

وفي النهاية، يبقى الإنسان الحكيم هو من يجعل عينيه شاهدتين، وعقله حكمًا، وقلبه منصفًا. فالكلمات قد تخدع، أما المواقف فتكشف، والأقوال قد تتبدل، أما الأفعال فهي السيرة التي يكتبها الإنسان بنفسه كل يوم. ومن أراد أن يعرف الناس على حقيقتهم، فليقرأ ما يفعلون، لا ما يُقال عنهم.

2026-08-09

روح التعليم




 

دكتور محمد الشافعي 

أشعلوا العقول

لماذا نُطالب الطالب بحفظ كتبٍ لم يحفظها مؤلفوها؟

كأننا ما زلنا نتصور أن التعليم عمليةُ ملءٍ، وأن عقل الطالب إناءٌ فارغ، كلما ازدادت المعلومات فيه ازداد علمًا. والحقيقة أن التعليم أرفع من ذلك بكثير؛ فالطالب ليس وعاءً نملؤه، بل شعلةً نُحسن إيقادها.

ليس المهم أن يخرج الطالب من قاعة الدرس محمّلًا بصفحاتٍ حفظها، وإنما أن يخرج منها بعقلٍ أكثر اتساعًا، وسؤالٍ أكثر عمقًا، وشغفٍ أشدَّ بالمعرفة.

فالمعلومات قد يطويها النسيان، والكتب قد تتغير، والمناهج قد تنتهي، أما القدرة على القراءة والتفكير والسؤال والبحث، فهي زادُ الإنسان في رحلةٍ لا تنتهي.

وعظمة المعلم ليست في قدرته على أن يملأ ذاكرة طلابه، وإنما في قدرته على أن يفتح نوافذ عقولهم؛ أن يوقظ فضولهم، ويحرّك شغفهم، ويجعلهم قادرين على أن يبحثوا عن المعرفة حين لا يكون هو حاضرًا.

فالمعلم الحقيقي لا يصنع طلابًا يحفظون ما قاله، بل يصنع عقولًا تستطيع أن تسأل عمّا لم يقله. تستطيع أن تربط وتقارن وتحلل.

ذلك هو التعليم الذي يبقى: أن تُشعل في الطالب نورًا، لا أن تثقل ذاكرته بحمولةٍ سرعان ما ينساها.

والتعليم الحقيقي كان وما زال عملية إيقادٍ وتنوير، لا مجرد شحنٍ وتخزين.


ذكري رحيل اعز صديق



دكتور محمد الشافعي 

في الذكرى الخامسة لرحيل صديق العمر.

غدًا، 10 أغسطس، تحل الذكرى الخامسة لرحيل صديق العمر، الأستاذ الدكتور محمد فهمي إمبابي؛ ذلك الإنسان الذي كان في حياتي أكثر من صديق، وأقرب من أخ، وأكرم من أستاذ.

حين التحقت بالكلية معيدًا، كان من أوائل من استقبلني بحفاوة، وأحاطني بكرمه، وفتح لي أبوابًا من العلم والمعرفة. علّمني أصول البحث العلمي، وأخذ بيدي في بدايات الطريق، وترك في نفسي من الأثر والفضل ما تعجز الكلمات عن حصره، ولا تفي العبارات بحقّه.

خمس سنوات مضت على رحيله، وما زلت أشعر أن غيابه لم يكن غياب شخص فحسب، بل كان فقدًا لجزء عزيز من العمر. ومنذ رحيله، لم أجد صديقًا يشبهه، ولم أجد من يملأ ذلك الفراغ الذي تركه خلفه.

كان نعم الصديق؛ كريمًا في عطائه، نقيًا في قلبه، طيبًا في معشره، عذب الحضور، عظيم الإنسانية. كان من أولئك الذين لا يتكررون، ولا يأتي الزمان بمثلهم مرتين.

ولعل أصعب ما في فقد الأحبة أن الأيام تمضي، لكن بعض الغياب لا تمضي معه الأيام؛ يظل ساكنًا في القلب، حاضرًا في الذاكرة، كلما مرّ بنا موقف ذكّرنا بصاحبه، أو احتجنا إلى كلمة منه، أو افتقدنا ذلك الأنس الذي كان يصنعه حضوره.

رحمك الله أخي وحبيبي وصديقي وأستاذي الغالي.

رحم الله قلبًا ما عرفت منه إلا الكرم، ونفسًا ما رأيت منها إلا الطيبة، وإنسانًا ترك في حياتي أثرًا لا تمحوه السنوات.

خمس سنوات على رحيلك، وما زلت في القلب كما كنت... ولن يتكرر أمثالك.

رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل كل ما قدمته من علم وخير في ميزان حسناتك.أرى أن عبارة «ولن يتكرر أمثالك» أقوى في الخاتمة من «لن أجد من يكافئ كرمه»، لأنها تختصر معنى الفقد كله دون أن تبدو كأنها مقارنة بين الناس.

دكتور محمد فهمي امبابي

 


الأستاذ الدكتور محمد فهمي امبابي
رحمة الله عليه 



أثناء آداء فريضة الحج مع جاري وصديقي العزيز
الدكتور تامر شلبي
في ضيافة
الأستاذ الدكتور محمد خضر
الأستاذ بقسم اللغة العربية 
أثناء استضافه لي بمكة المكرمة
في مطار جدة
في رمي الجمرات بمتي
في حفاير لمدة بليبيا


ليبيا
ليبيا
ليبيا
ليبيا
ليبيا
ليبيا
ليبيا

المغرب
المغرب
المغرب
المغرب
ليبيا
فندق الخمس ليبيا
المغرب

سوريا
ا.د.محمد فهمي امبابي 
رحمة الله عليه