دكتور محمد الشافعي
ليس النقاء في بياض الثياب، ولا في حسن المظهر، ولا في رقة الكلمات وحدها، بل هو حالة من الصفاء الداخلي تنعكس على الفكر والقول والعمل. وأصدق صور هذا النقاء أن يتمنى الإنسان الخير للناس كما يتمناه لنفسه، وأن يفرح لنجاحهم كما يفرح بنجاحه، وأن يدعو لهم بالسعادة والرزق والتوفيق دون أن يضيق صدره بما أنعم الله به عليهم.
فالنفوس النقية لا ترى الحياة ساحة صراع على النعم، ولا تنظر إلى نجاح الآخرين على أنه انتقاص من حظها، بل تؤمن أن فضل الله واسع، وأن الأرزاق والمواهب والعطايا لا تنفد بكثرة من ينالها. لذلك تعيش مطمئنة، بعيدة عن الحسد والغيرة والبغضاء، لأنها تعلم أن الخير إذا عمَّ الجميع عاد نفعه على المجتمع كله.
أما النفوس التي أرهقتها المقارنات، فإنها تعذب صاحبها قبل أن تؤذي غيره. فهي تنشغل بما في أيدي الناس أكثر من انشغالها بما تملك، فتفقد لذة الرضا، وتستبدل راحة القلب بقلقٍ دائم لا ينتهي. ومن هنا يبدأ تآكل السكينة، ويذبل الإحساس بجمال الحياة.
والإنسان النقي لا يكتفي بعدم إيذاء الآخرين، بل يسعى إلى معاونتهم، ويشجع المجتهد، ويواسي المنكسر، ويفرح لمن حقق إنجازًا، ويقدم الكلمة الطيبة بصدق، لأن الخير في قلبه لا يعرف الأنانية، ولأن المحبة لديه ليست شعارًا يرفع، بل سلوكًا يمارسه في تفاصيل حياته.
إن أجمل ما يملكه الإنسان قلبٌ لا يحمل حقدًا، ونفسٌ لا تتمنى زوال النعمة عن أحد، وروحٌ تؤمن بأن سعادة الآخرين لا تنتقص من سعادتها، بل تزيد الحياة إشراقًا وإنسانية. فكلما ازداد القلب صفاءً، اتسعت مساحته للمحبة، وخفَّت عنه أعباء الكراهية، وأصبح أكثر قدرة على العطاء والتسامح.
فلنجعل من نقاء القلوب منهجًا للحياة، ومن الدعاء بالخير للناس عادة لا تنقطع، ومن الفرح بإنجازاتهم خلقًا أصيلًا. فالأرواح النقية تترك أثرًا طيبًا أينما حلت، وتبقى سيرتها العطرة في القلوب، لأن الخير الذي تمنحه للآخرين يعود إليها أضعافًا في صورة محبة، وطمأنينة، وبركة، وسلام.

هناك تعليقان (2):
ماشاء الله تحفه
🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋
إرسال تعليق