2026-08-10

ميزان الحقيقة



 

دكتور محمد الشافعي 

 ما وراء الكلمات

يُقال إن الإنسان يسمع بأذنه، لكنه يفهم بعقله، ويرى بعينيه، لكنه يُدرك ببصيرته. وبين السمع والرؤية مساحة واسعة لا يملؤها إلا الفهم، ولا يعبرها إلا من امتلك حسن التقدير وسلامة الحكم.

ولذلك فإن من الحكمة أن نعامل الناس بما نراه من أفعالهم، لا بما نسمعه عنهم. فالكلمات قد تُزيَّن، والروايات قد تُلوَّن، والآراء قد تُحمَّل بالأهواء والمصالح، أما السلوك فهو اللغة التي يصعب تزويرها، وهو الشاهد الذي لا يحتاج إلى مترجم.

لقد امتلأت الحياة بأحكام بُنيت على إشاعة، أو شهادة ناقصة، أو انطباع عابر، فضاعت بسببها حقوق، وانكسرت علاقات، وخسر الناس أشخاصًا كانوا يستحقون الإنصاف. وما أكثر الذين أُدينوا في مجالس الغيبة، ثم برأتهم الأيام حين تكشفت الحقائق. وما أكثر الذين مُدحوا بألسنة الناس، ثم كشفت المواقف أن الثناء لم يكن إلا ستارًا يخفي حقيقة أخرى.

إن الإنسان العاقل لا يجعل أذنه قاضيًا، بل يجعلها وسيلة للاستماع، ثم يعرض ما سمعه على ميزان العقل والخبرة والواقع. فلا يُسلم بكل ما يُقال، ولا يرفض كل ما يسمع، وإنما يتثبت، لأن الحقيقة لا تُولد من رواية واحدة، بل من جمع الشواهد والنظر إليها بعين الإنصاف.

والناس في هذا الزمان أصبحوا أسرع إلى نقل الأخبار من التحقق منها، وأسرع إلى إصدار الأحكام من مراجعتها. وكأن الكلمة التي تُقال أصبحت في نظر البعض حقيقة لا تقبل النقاش، مع أنها قد تكون نصف حقيقة، أو ربع حقيقة، أو محض افتراء. ومن هنا كانت المسؤولية الأخلاقية تقتضي ألا نكون أسرى لما يصل إلى آذاننا، بل أن نُخضعه لميزان العقل والضمير.

إن التعامل مع الناس وفق ما نراه من أخلاقهم، وصدقهم، وأمانتهم، وثبات مواقفهم، يمنحنا عدالة في الحكم وراحة في النفس. فالأفعال لا تجامل، والمواقف لا تنافق، والزمن كفيل بكشف معادن البشر، إذ قد تُخفي الكلمات الحقيقة زمنًا، لكنها لا تستطيع إخفاءها إلى الأبد.

وليس المقصود أن نهمل النصيحة أو نتجاهل التحذير، وإنما المقصود ألا نجعل السماع وحده أساسًا للحكم. فالإنصاف يقتضي أن نرى، وأن نتحقق، وأن نمنح الآخرين فرصةً تُثبت حقيقتهم بأفعالهم لا بأقوال غيرهم.

وفي النهاية، يبقى الإنسان الحكيم هو من يجعل عينيه شاهدتين، وعقله حكمًا، وقلبه منصفًا. فالكلمات قد تخدع، أما المواقف فتكشف، والأقوال قد تتبدل، أما الأفعال فهي السيرة التي يكتبها الإنسان بنفسه كل يوم. ومن أراد أن يعرف الناس على حقيقتهم، فليقرأ ما يفعلون، لا ما يُقال عنهم.

هناك تعليق واحد:

fatma يقول...

ماشاء الله روعه يدكتور 🌹