دكتور محمد العوادي
إدراكُ المسافة المناسبة في العلاقات الإنسانية ليس ترفًا اجتماعيًا، بل هو وعيٌ دقيق بطبيعة النفس البشرية وحدودها. فكما تحتاج الأجساد إلى حيّزٍ تتحرك فيه بحرية، تحتاج الأرواح كذلك إلى مسافة تحفظ لها كرامتها، وتُبقي الودّ حيًا، والاحترام قائمًا.
المسافة هنا لا تعني الجفاء، ولا تشير إلى البرود أو القطيعة، وإنما هي ذلك الحدّ الحكيم بين القرب المُنهك والبعد المُؤذي. فالإفراط في الاقتراب قد يتحول إلى اقتحام، وتجاوز غير محسوب، يُشعر الآخر بأن خصوصيته منتهكة، وأن مساحته الشخصية مهددة. وفي المقابل، فإن المبالغة في الابتعاد قد تُفسَّر على أنها إهمال أو استعلاء، فتُضعف جسور الثقة وتُبرد حرارة المودة.
كثيرٌ من العلاقات الإنسانية لا تنهار بسبب سوء النية، بل بسبب سوء التقدير. نُخطئ أحيانًا في قراءة حاجات الآخرين؛ فنمنح قربًا في موضع يحتاج فيه الطرف الآخر إلى هدوء ومسافة، أو نلتزم الصمت حيث كان ينتظر كلمة، أو نُكثر من الحضور حيث كان يكفي وجودٌ رمزي. وهنا تبدأ الشروخ الصغيرة التي لا تُرى في بدايتها، لكنها مع الزمن تتسع حتى تُفقد العلاقة توازنها.
إن المحافظة على المسافة السليمة تتطلب حسًّا إنسانيًا مرهفًا، وقدرة على الإصغاء غير المعلن: الإصغاء لما لا يُقال، ولما يظهر في نبرة الصوت، ولغة الجسد، وتغيّر السلوك. وهي كذلك اختبار للنضج؛ فالناضج وحده من يدرك أن الاحترام لا يُفرض بالقرب، وأن الودّ لا يُقاس بعدد الرسائل ولا بكثافة التدخل، بل بجودة الحضور حين يكون مطلوبًا، والانسحاب حين يكون الصمت أبلغ.
وفي العلاقات العميقة، تكون المسافة أكثر حساسية، لأنها تمسّ مشاعر صادقة وتوقعات عالية. وكلما ازدادت قيمة العلاقة، ازدادت الحاجة إلى وعيٍ أدقّ بتلك المسافة، لأن الخطأ فيها يكون أفدح أثرًا. فالقلوب القريبة تتأذى أكثر، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها مكشوفة.
وخلاصة الأمر أن إدراك المسافة هو فنّ التوازن في التعامل مع البشر؛ توازن بين القرب والبعد، بين البوح والكتمان، بين المشاركة والاحترام. ومن يُحسن هذا الفن، يحفظ علاقاته حيّة، ناضجة، وقابلة للاستمرار. أما من يُهمله، فقد يجد نفسه وحيدًا، لا لأنه لم يُحبّ، بل لأنه لم يعرف كيف يقترب… ولا متى يتراجع.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق