2026-01-02

الأغاني بين اللهو وإضاعة العمر

 


دكتور محمد العوادي 

لقد أُوتي الإنسان نعمة العقل ليكون أداة تمييز بين النافع والضار، وبين ما يرفع قيمته وما يهبط به إلى حضيض العبث. ومع ذلك، نرى أقوامًا جعلوا من الغناء زادهم، ومن الألحان غذاء أرواحهم، وكأن الحياة خُلقت للترنيم والتهويم، لا للبناء والعلم والعمل.

إنّ الغناء – مهما زُخرف بألحان وعُبِّق بأنغام – لا يخرج عن كونه كلامًا يُنثر في الهواء، لا يُقيم حضارة، ولا يشيد جسرًا، ولا يكتشف دواء، ولا يضع نظرية علمية، ولا يرفع أمة من حضيضها. فكم من ساعات ضاعت في تتبّع الأغاني وحفظ كلماتها، لو وُجهت نحو الطب أو الهندسة أو البحث العلمي لكان أثرها أعمق، وثمرتها أبقى.

والأدهى أنّ كثيرًا من أهل هذا الفن اتخذوه وسيلةً لاسترزاقهم من إلهاء الناس وصرفهم عن الجدّ إلى الهزل، وعن العمل إلى التسلية الفارغة، حتى غدا الغناء تجارة رابحة على حساب العقول والوقت والقيم. في حين أن الأمم التي سمت وارتقت، لم تبنِ أمجادها على أوتار العود والناي، بل على عقول العلماء وأيدي البنّائين وروح المبدعين في ميادين الجد.

وليس المقصود إنكار أثر الفن الراقي إذا التزم حدود الرسالة النبيلة، لكنه في صورته الدارجة اليوم، قد تحوّل إلى دَوران في فلك التكرار، وترديد لألفاظ جوفاء، تُطرب الآذان لحظة، ثم تتبدد في الفراغ، تاركةً وراءها عمرًا مهدورًا، وفكرًا غائبًا، ورسالةً ضائعة.

فالواجب على العاقل أن يزن وقته بميزان الذهب، وأن يفرّق بين ما ينفعه في دنياه وأخراه، وما لا يعدو أن يكون لهوًا يُنسيه الغاية التي من أجلها وُجد.

ليست هناك تعليقات: