2026-01-13

الايقاع المربك



 

دكتور محمد الشافعي 

في عالمٍ تضجّ فيه الأصوات وتتنافس فيه المنابر على خطف الانتباه، لم يعد الصوت مجرد وسيلة لنقل الكلمات، بل غدا عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الوعي والحالة النفسية للإنسان. فالصوت، بنبرته وسرعته وطبقته، قادر على أن يهدّئ الروح أو يربكها، وأن يفتح باب الفهم أو يغلقه بإحكام.

وليس المقصود هنا التفريق السطحي بين الصوت العالي والمنخفض فحسب، بل الحديث الأعمق عن طريقة الأداء: سرعة الكلام أو بطئه، حدّة النبرة أو نعومتها، اتزان الإيقاع أو اضطرابه. فالكلام السريع المتلاحق، مهما كان محتواه مهمًا، يصنع لدى المستمع توترًا خفيًا، ويضعه في حالة دفاع نفسي، وكأن الكلمات تُلقى عليه إلقاءً لا يُتاح له فيه أن يفهم أو يستوعب.

وللأسف، أصبح هذا النهج سمةً طاغية في كثير من المواقف العامة، وعلى رأسها المشهد الإعلامي. نراه بوضوح عند عدد كبير من المراسلين الصحفيين الذين يتحدثون بسرعة مفرطة، وكأن السباق مع الزمن أهم من وصول المعنى. ونلمسه كذلك لدى بعض مقدمي البرامج، لا سيما غير المؤهلين منهم، حيث يختلط الصوت العالي الحاد بسرعة الأداء، فيتحول الحوار إلى ضجيج، والفكرة إلى صراخ.

ولا يخفى على أحد أن أسماء بعينها باتت مرتبطة بهذا الأسلوب المربك والمدمّر للأعصاب، حيث يُستبدل الهدوء بالإثارة، والرزانة بالانفعال، فيخسر المتلقي راحته الذهنية، ويخسر الخطاب الإعلامي هيبته وتأثيره الحقيقي. وينسحب الأمر ذاته على عدد كبير من مقدمي البرامج ومعلّقي مباريات كرة القدم، الذين يظنون أن رفع الصوت وتسريع الكلام دليل حماس ومهنية، بينما هو في كثير من الأحيان دليل فقر في أدوات التواصل.


ومن هنا، يصبح لزامًا علينا أن نقول بوضوح:

إن من يقف ليتكلم من على أي منبر — إعلاميًّا كان أو تعليميًّا أو دينيًّا — يتحمّل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنية. فعليه أن يتعلم كيف يتكلم، وكيف يضبط مخارج الحروف، وكيف يتحكم في نبرة الصوت، وكيف يوازن بين السرعة والبطء، وبين الحماس والاتزان. فالصوت ليس ملكًا للمتكلم وحده، بل هو أمانة في أذن المستمع وعقله.

إن إتقان “تون” الصوت، وفهم أثره النفسي، ومعرفة متى نرفع النبرة ومتى نخفضها، ومتى نسرع ومتى نتريث، كلها مهارات أساسية، لا كماليات. لكنها — وللأسف — مهارات يفتقدها كثير من الإعلاميين وضيوف البرامج، بل وحتى بعض من يتصدرون للحديث في أماكن يفترض أن تكون منارات للسكينة والفهم.

ويبقى الصوت، في جوهره، مرآةً للعقل قبل أن يكون أداةً للسان. فإذا فسد أداؤه، دلّ ذلك على خللٍ في فهم دوره ورسالة الكلمة ذاتها.

ليست هناك تعليقات: