دكتور محمد الشافعي
ثمة أشخاص لا يملكون شجاعة المواجهة، فيختارون الطريق الأكثر رخصًا؛ كلمة تُقال في موضعها بعناية، أو تعليقًا عابرًا يحمل أكثر مما يبدو عليه، أو مزحة ثقيلة تُلقى وسط الناس، ثم يختبئون خلف ابتسامتهم كأن شيئًا لم يكن.
هو لا يبحث عن إضحاك الآخرين بقدر ما يبحث عن ارتباكك، ولا يعنيه أن تنتصر عليه في الكلام؛ يكفيه أن يراك للحظة وقد اختلّ اتزانك.
إنه يعرف أين يضع إصبعه، ويعرف أن بعض الكلمات لا تُوجع لأنها قاسية، وإنما لأنها قيلت في المكان الذي يؤلم.
ثم ينتظر...
ينتظر أن تلتقط الطُّعم، أن تتغير ملامحك، أن يرتفع صوتك، أن تتسع دائرة غضبك، وأن تفعل أمام الجميع ما كان يتمنى أن تفعله. عندها لا يعود هو صاحب الإساءة، بل تصبح أنت المشهد الذي جاء من أجله.
وهنا تحديدًا تكمن الحيلة.
فليس كل ما يستحق الرد يستحق أن تمنحه أعصابك. وبعض المعارك لا تحتاج إلى شجاعة الدخول فيها، وإنما إلى حكمة الانسحاب منها قبل أن تكتشف أنك كنت تتحرك وفق ما أراده خصمك منذ البداية.
أحيانًا تكون كرامتك في هدوئك، وهيبتك في ألا تشرح، وانتصارك الحقيقي أن تترك الكلمة في مكانها، وصاحبها معلقًا في انتظار ردٍّ لن يأتي.
لا تمنحه هذه المتعة.
فأشد ما يؤلم من أراد أن يستفزك، أن يكتشف أن محاولته لم تحرّك فيك ساكنًا، وأن السهم الذي أعدّه لك بعناية مرّ من جوارك... دون ان يغيّر اتجاهك.
