دكتور محمد العوادي
هناك لحظة صامتة يمرّ بها الإنسان، لا يلحظها الآخرون، لكنها تترك في داخله أثرًا بالغ العمق؛ لحظة يشعر فيها أنه مُهمَّش، كأن وجوده زائد عن الحاجة، وأن ما يمتلكه من قدرات وطاقة إنما هو وقود مهدَر لا يجد طريقه إلى الاشتعال.
التهميش لا يكون دائمًا نتيجة إقصاءٍ مباشر، بل كثيرًا ما يتسلل في صورة تجاهلٍ مزمن، أو غياب اعتراف، أو انسحاب بطيء للمعنى من تفاصيل الحياة. يعمل الإنسان، يتحرك، يلتزم، لكنه لا يرى أثرًا حقيقيًا لما يفعل، فيتحول الفعل إلى عادة، والعادة إلى روتين، والروتين إلى عبءٍ ثقيل يفتقر إلى الروح. عندها يشعر أنه يعيش الأيام ولا يحياها، وأن الزمن يمرّ عليه لا به.
أما الإحساس بأن الإنسان طاقة معطلة، فهو من أقسى ما قد يواجهه الوعي البشري. أن تدرك في داخلك قدرة على العطاء، ورغبة في الإبداع، واستعدادًا للفعل، ثم تصطدم بواقع لا يتيح لك مساحة، ولا يمنحك فرصة، ولا يصغي لصوتك. هنا يتكوّن صراع داخلي مرير بين ما أنت قادر عليه، وما يُسمح لك أن تكونه. ومع طول هذا الصراع، يبدأ الشغف في الانطفاء، وتتحول الأحلام إلى ذكريات مؤجلة، ثم إلى أسئلة مؤلمة بلا إجابة.
والروتين اليومي المحبط ليس مجرد تكرار للأفعال، بل هو تكرار للشعور ذاته: الاستيقاظ بلا دافع، والعمل بلا معنى، والعودة بلا إنجاز يُشعر صاحبه بالرضا. يصبح اليوم نسخة باهتة من سابقه، وتفقد اللحظات فرادتها، ويغدو المستقبل امتدادًا رماديًا للحاضر. في هذا السياق، لا يكون الإرهاق جسديًا بقدر ما هو إرهاق روحي، ناتج عن غياب الأمل في التغيير.
غير أن أخطر ما في هذا الإحساس كله، هو اعتياد الإنسان عليه. حين يتصالح مع التهميش، ويبرر تعطيل طاقته، ويقنع نفسه أن ما يعيشه هو أقصى ما يمكن أن يناله. عندئذ لا يعود القيد خارجيًا فقط، بل يتحول إلى قيدٍ داخلي أشد إحكامًا.
إن الشعور بالتهميش وتعطيل الطاقة والعيش في روتين محبط ليس ضعفًا في الإنسان، بل علامة على أن داخله ما يستحق الأفضل. هو نداء صامت لإعادة النظر، ومحاولة لاسترداد المعنى، والبحث عن مساحةحتي ولو كانت ضيقة—يمكن أن يُعاد فيها توظيف الذات، ويُسترد فيها الإحساس بالقيمة. فأسوأ ما قد يصيب الإنسان ليس الفشل، بل أن يعيش دون أن يُمنح فرصة حقيقية لأن يكون ما يستطيع أن يكونه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق