2026-08-04

وهم الأهمية

 


د. محمد الشافعي

حين يصنع الإعلام أوهام العظمة

من أكثر الأمور التي تدعو إلى العجب أن ترى بعض أصحاب المهن الترفيهية يتدثرون بثوب الأهمية، ويتحدثون عن أنفسهم وكأنهم أصحاب رسالة غيرت مجرى التاريخ، أو علماء نقلوا الإنسانية من عصر إلى عصر.

ولعل مهنة التمثيل هي أوضح مثال على ذلك. وأقولها صريحة، ولو أغضبت البعض: التمثيل مهنة من لا مهنة له.

فالتمثيل، في جوهره، لا يعدو أن يكون أداءً لحوار كتبه غيرك، وتجسيدًا لشخصية رسمها غيرك، وتنفيذًا لرؤية أخرجها غيرك. تقف أمام الكاميرا، تحفظ كلمات، تؤدي مشهدًا، ثم ينتهي الأمر. فأين كل هذه الهالة التي أحاطوا بها أنفسهم؟ ومن أين جاءت كل هذه العظمة؟

ما دفعني إلى كتابة هذه الكلمات أنني شاهدت أحد الممثلين في أحد البرامج التلفزيونية، فإذا به يتحدث عن الحياة، والنجاح، والإنسان، والمجتمع، بنبرة توحي بأنه أحد كبار المفكرين. للحظة، خُيِّل إليَّ أنني أستمع إلى عالم من طراز مصطفى مشرفة أو أحمد زويل، لا إلى ممثل احترف الوقوف أمام الكاميرا.

وهنا توقفت أمام سؤال لم أجد له جوابًا: من الذي أقنع هؤلاء بأنهم بهذه المنزلة؟ ومن الذي أوهمهم أن الشهرة أصبحت مرادفًا للجدارة، وأن الظهور على الشاشة يمنح صاحبه سلطة الحديث في كل شأن؟

الأعجب من ذلك أن بعضهم يتحدث عن تصوير مشهد واحد كما لو أنه خاض ملحمة تاريخية، أو أن أداء دور استنزف منه ما لم تستنزفه سنوات البحث العلمي من عالم قضى عمره بين المعامل والكتب. تسمع حديثه عن حجم المعاناة، وعن الضغوط النفسية، وعن الجهد الخارق الذي بذله، فتظن أنك أمام رجل عاد لتوه من اكتشاف علمي سيغير وجه البشرية، فإذا بالأمر لا يتجاوز دورًا كُتب له، ومشهدًا أُعيد تصويره مرات حتى رضي عنه المخرج.

ثم يأتي الإعلام ليكمل المشهد. يستضيف هذا، ويحتفي بتلك، ويقدمهم للناس باعتبارهم نماذج ملهمة، ويمنحهم مساحة للحديث في كل شيء، حتى أصبح بعض المشاهدين يظنون أن الممثل إذا نجح في أداء شخصية، فقد أصبح مؤهلًا للحديث في التربية، والأخلاق، والاقتصاد، والسياسة، وعلم النفس، وكأن الشهرة شهادة دكتوراه، أو أن التصفيق يمنح صاحبه صك الحكمة.

إن المشكلة ليست في الكاميرا، بل فيما صنعته الكاميرا. لقد صنعت لدى بعض الناس وهمًا بأنهم أكبر من مهنتهم، وأقنعت جمهورًا واسعًا بأن الظهور المتكرر دليل على القيمة، وأن كثرة المعجبين تساوي عظمة الإنجاز.

وفي المقابل، يمضي العلماء، والباحثون، والمعلمون، والأطباء، والمهندسون، وسائر أصحاب المهن التي تقوم عليها حياة الأمم، في طريقهم بعيدًا عن الأضواء، لا يسمع الناس عنهم إلا قليلًا، مع أن أثر أحدهم في نهضة وطن قد يفوق أثر مئات الساعات التي يقضيها المشاهد أمام الشاشات.

لقد أصبحنا نعيش زمنًا اختلطت فيه المقاييس؛ زمنًا يُقاس فيه الإنسان بعدد الكاميرات التي تلاحقه، لا بعدد العقول التي أنارها، ولا بما أضافه إلى المعرفة، ولا بما قدمه لوطنه.

ولذلك، فإنني لا أندهش من ممثل يرى نفسه عظيمًا، بقدر ما أندهش من إعلام أقنعه بذلك، ومن جمهور صدق هذه الصورة، حتى أصبح من يؤدي دورًا مكتوبًا يظن أنه يؤدي دورًا في صناعة الحضارة.

إن الحضارة لا يصنعها من يجيد تمثيل المشهد، بل من يجيد صناعة الواقع. وبين الاثنين بون شاسع لا تدركه إلا الأمم التي ما زالت تميز بين الشهرة والقيمة، وبين التصفيق والإنجاز، وبين الأضواء... والتاريخ.