2026-02-19

اغتيال الوقت

 


مهندس عاصم شاكر 

رمضان بين قداسة الزمن وابتذال الشاشة

ما إن يُقبل شهرُ رمضان المبارك، حتى يُفترض أن تُفتح معه أبواب السكينة، ويُستعاد معنى الوقت بوصفه نعمةً تُصان، وعُمرًا لا يُبدَّد. غير أنّ الواقع الإعلامي في عالمنا العربي، وفي مصر على وجه الخصوص، يسير في اتجاهٍ معاكس؛ إذ يتحوّل الشهر الفضيل إلى موسمٍ من الاستغفال المنهجي، واستنزاف الساعات، وجرِّ الناس جرًّا إلى ما لا ينفع، بل إلى ما قد يثقل الميزان بالسيئات بدل الحسنات.

تدخل القنوات الفضائية سباقًا محمومًا لعرض كمٍّ هائل من المسلسلات، يزاحمها طوفان من البرامج الفارغة، ثم تُطوِّق المشاهدَ سلاسلُ متصلة من الإعلانات السخيفة، وإعلانات التسوّل المقنَّع باسم التبرعات. لا هدفَ حقيقيًّا هنا سوى احتلال الزمن، وكأنّ الوقت عدوٌّ يجب قتله لا قيمةٌ يجب إحياؤها.

وليس الخلل في الكثرة وحدها، بل في النوع أيضًا. فالفن — حين يُفقد معاييره — يتحوّل إلى مهنةٍ بلا ضوابط، يتصدّرها من لا يمتلك أدواتها، ولا يعرف أصولها، حتى غدا التمثيل في نظر البعض حفظَ كلمتين وإلقاءهما كيفما اتفق، ثم تُلصَق على صاحبها صفة “فنان”. ولسنا ببعيد عن نماذج صارخة لأشباه مؤدّين، صُنِعوا داخل منظومةٍ إعلاميةٍ فاسدة، ثم رُوِّج لهم على أنهم نجوم، كما حدث مع ظاهرة مسرح مصر، حيث غاب البناء الفني، وحضرت الفوضى والابتذال، فاختُزل المسرح في ضحكٍ عابر، وسقطت أبسط مقومات الأداء.

والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: لماذا كل هذا الكم من المسلسلات؟ ولماذا هذا الإغراق المتعمَّد في الإعلانات؟ أهو صدفةٌ أم تخطيط؟

العودة إلى الماضي القريب تكشف الفارق بجلاء؛ كانت قناتان، ومسلسلٌ واحد، وإعلاناتٌ محدودة، خفيفة الظل، لا تقتحم الوجدان ولا تُصادر الوقت. ومع ذلك — أو ربما بسبب ذلك — كان للدراما وزنٌ، وللوقت حرمة.

أما اليوم، فثمّة تعمُّد واضح لقتل أوقات الناس، لا لملئها بالمعنى، بل لإغراقها في التفاهة. والأسوأ أنّ هذا يحدث في شهرٍ هو الأجدر بأن يكون زمن مراجعةٍ وتأمّل، لا موسم استهلاكٍ واستنزاف. ولو كان هذا السيل الجارف من الأعمال يُقدّم فنًّا حقيقيًّا، أو يطرح قضايا بعمقٍ ومسؤولية، لهان الأمر. لكن المؤلم أنّ أغلبه هابطٌ في لغته، فقيرٌ في فكرته، ضحلٌ في رسالته، لا يضيف إلى العقل شيئًا، ويترك في النفس أثرًا ثقيلًا.

إنّ الخطر لا يكمن في مسلسلٍ أو إعلان، بل في منظومةٍ كاملة تُدرِّب الناس على الاعتياد على الرداءة، وتُقنعهم — بمرور الوقت — أنّ هذا هو الطبيعي، وأنّ ما عداه ترفٌ أو تعقيد. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: حين يُستبدل الوعي بالضجيج، والمعنى بالتكرار، والفن بالتسول باسم الفن.

رمضان ليس موسم عرض، ولا ساحة سباقٍ إعلاني، بل زمنٌ له قدسيته. واحترام هذا الزمن يبدأ باحترام عقل الإنسان، ووقته، وذوقه العام. وما لم تُراجع هذه المنظومة نفسها، سيظل السؤال معلّقًا كل عام: لماذا نُصرّ على قتل أوقات الناس، ثم نندهش من خواء الروح وضمور الوعي؟

ليست هناك تعليقات: