كتب دكتور محمد الشافعي
في زحمة الميديا المعاصرة، لا يصطدم المتابع بضعف الفكرة فحسب، بل يُفاجأ بضجيجٍ يكاد يبتلع المعنى قبل أن يولد. وأبرز ما يلفت الانتباه في كثير من الأعمال الدرامية – خصوصًا في المواسم التي يُفترض أن تتسم بالسمو الروحي – هو طغيان الموسيقى التصويرية على كل شيء: على الحوار، وعلى الأداء، بل وعلى لحظة الصمت التي كان يمكن أن تكون أبلغ من ألف نغمة.
لقد تحوّلت الموسيقى من عنصرٍ مساعدٍ إلى عنصرٍ مستبدّ؛ ترتفع حدّتها حتى تتجاوز صوت المؤدّين، فتغدو الكلمات متعثرة تحت وقع الإيقاع، ويغدو الأداء – على ما فيه من صياح وافتعال – أكثر ارتباكًا وتوترًا. كأن الصوت العالي صار بديلاً عن العمق، وكأن الحِدّة صارت ستارًا يُخفى خلفه خواء الفكرة وضعف المعالجة.
وليس خافيًا أن الموسيقى التصويرية في أصلها فنّ رفيع، يُراد به تعميق الإحساس، وتهيئة المتلقي نفسيًا للاندماج في المشهد. غير أن ما نراه اليوم في كثير من الأعمال هو توظيف مفرط، متشابه، لا يميّز بين لحظةٍ وأخرى. فلا فرق بين مشهد يحتاج إلى تصعيد درامي، وآخر يقتضي هدوءًا وتأمّلًا؛ فالإيقاع واحد، والحدّة واحدة، والتوتر ممتدّ كخيطٍ مشدود لا يُرخى.
وهنا يكمن الخلل: حين يصبح التوتر هو القاعدة لا الاستثناء، يفقد أثره، ويتحوّل من وسيلة تعبير إلى عبءٍ عصبيّ يرهق المشاهد. فالمتلقي لا يُمنح فرصة للتنفس، ولا يُتاح له أن يتفاعل بعفوية مع الحدث؛ إذ تُفرض عليه حالة انفعالية مصطنعة، يُراد لها أن تتماشى مع مضمونٍ في كثير من الأحيان لا يحتمل كل هذا الصخب.
إن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى صراخٍ ليُسمع، ولا إلى ضجيجٍ ليُؤثّر. بل إن الصمت – في موضعه – قد يكون أبلغ وأصدق. والمشهد القويّ بذاته قادرٌ على أن يشدّ الانتباه دون استعانةٍ دائمة بموسيقى حادّة تخلق توترًا مصطنعًا. فالإخراج الواعي هو الذي يعرف متى يتقدّم الصوت، ومتى يتراجع، ومتى يترك المساحة للكلمة والنظرة والإيماءة.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا الإفراط مقصود لخلق إيحاءات نفسية بعينها، أم أنه أصبح نمطًا مكرورًا لا يُراجع؟ أياً يكن الجواب، فإن الحاجة ماسّة إلى إعادة النظر في هذا الاستخدام العشوائي، حفاظًا على ذائقةٍ فنية تتوق إلى الاتزان، وعلى أعصاب مشاهدٍ يبحث عن معنى، لا عن ضجيج.
إن الدراما رسالة قبل أن تكون صناعة، والإحساس الصادق لا يُصنع بالإكراه. وحين تعود الموسيقى إلى دورها الطبيعي، مسانِدةً لا متسلّطة، عندئذٍ فقط يمكن أن نستعيد شيئًا من جمال الفن، ونصغي إلى ما يُقال… لا إلى ما يُغطيه الصوت.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق