2026-03-07

العصبي النبيل

 


دكتور محمد الشافعي 

  • الحدّة التي تخفي نبل الروح

في فضاء الأحكام الاجتماعية المتعجلة، يُوصم كثير من الناس بصفة "العصبية"، وكأنها عيب أخلاقي أو خلل في التكوين النفسي. فيُنظر إلى صاحبها باعتباره إنساناً حادّ الطبع، صعب المراس، وربما غير متزن في انفعالاته. غير أن التأمل العميق في طبيعة هذا الإنسان يكشف لنا حقيقة مغايرة تماماً؛ إذ كثيراً ما تكون تلك الحدّة الظاهرة ستاراً يخفي وراءه روحاً رفيعة الحس، وقلباً مرهفاً يضج بالمشاعر الصادقة.

إن ما يُفسَّر عصبيةً في الظاهر ليس سوى استجابة نفسية لإنسان شديد الحساسية تجاه الظلم والزيف. فهو يرى ما لا يراه غيره، ويتألم لما قد يمرّ عليه الآخرون مروراً عابراً. أعصابه ليست متوترة بلا سبب، بل هي أعصاب يقظة، تتلقى صدمات الواقع بحدة لأنها ترفض الاعتياد على القبح أو التكيف مع الباطل.

وغالباً ما يكون هذا الإنسان من أكثر الناس استعداداً للوقوف إلى جانب الآخرين. لا ينتظر نداءً ولا يطلب مقابلاً، بل يبادر بالسند حين يضعف الآخرون. يحمل هموم من حوله كما لو كانت همومه الخاصة، ويخوض معاركه الأخلاقية بصمت، حتى وإن بدا في أعين الناس شديداً أو صعباً.

وفي زمن يغلب عليه التلوّن والمجاملة المفرطة، يظل هذا الإنسان أسير وضوحه الصريح. فهو لا يجيد النفاق، ولا يملك القدرة على تبديل مواقفه تبعاً للمصالح. كلماته قد تبدو حادة أحياناً، لكنها صادرة عن صدق لا يعرف الزيف. إنه يواجه ولا يطعن، ويصرّح ولا يوارب، لأنه ببساطة لا يمتلك رفاهية الأقنعة.

ومع أن البعض قد يصفه بصعوبة المعاشرة، فإن الحقيقة غالباً ما تكون على النقيض؛ فهو من أكثر الناس مراعاة لمشاعر الآخرين، وأكثرهم إخلاصاً في المحبة. لكنه في الوقت ذاته لا يحتمل التناقض الصارخ بين القول والفعل، ولا يطيق أن يرى الظلم فيلتزم الصمت.

غير أن لهذه الطبيعة النبيلة ثمناً باهظاً. فالاستهلاك العاطفي المستمر، والاحتكاك الدائم بواقع لا ينسجم مع نقاء الداخل، يرهقان هذا الإنسان ويستنزفان أعصابه. إنه في كثير من الأحيان يؤذي نفسه أكثر مما يؤذي غيره، لأن قلبه لا يعرف البرود ولا يجيد اللامبالاة.

ولهذا، قبل أن يُطلَق وصف "العصبي" على أحد، يجدر بنا أن نتريث قليلاً. فقد تكون تلك الحدّة الظاهرة ليست سوى تعبير صادق عن روح ترفض التعايش مع القبح، وقلب لم يتعلم بعد كيف يعتاد قسوة العالم. خلف تلك الحدة قد يسكن إنسان نادر، لم يحتمل الزيف، فاختار أن يصرخ في وجهه بدلاً من أن يتصالح معه.

ليست هناك تعليقات: