دكتور محمد الشافعي
هناك أوجاع لا تأتي من عدوٍّ صريح، بل من قريبٍ ظننته سندًا، ومن قلبٍ منحته من الود ما يكفي ليكون لك ظهرًا إذا مالت الأيام. لكن بعض الناس يأخذون المعروف وكأنه حقٌّ مكتسب، ثم إذا انتهت حاجتهم انطفأت في ذاكرتهم كل لحظة عطاء، وكل موقف احتواء، وكل يدٍ امتدت إليهم في ساعة العسر.
ونكران الجميل ليس مجرد خُلُقٍ سيئ، بل جرحٌ غائر في النفس؛ لأن الإنسان حين يُحسن لا ينتظر المقابل المادي، وإنما ينتظر قدرًا من الوفاء، وكلمة صادقة، واعترافًا بسيطًا بأن ما قدّمه لم يكن هيّنًا. غير أن قليل الأصل لا يرى إلا نفسه، ولا يتذكر من المعروف إلا ما عجزت عن تقديمه له، أما ما أغدقته عليه من دعمٍ ومساندةٍ وجبر خاطر فيمحو أثره سريعًا وكأنه لم يكن.
وكم هو مؤلم أن تكتشف أن بعض الناس يشربون جميعًا من الكأس نفسها؛ كأس الجحود وسوء الظن. تعطيهم العسل فينسبون الفضل للنحل، وتقف بجوارهم في سقوطهم ثم إذا استقاموا على أقدامهم نسوا اليد التي أمسكت بهم يوم تعثروا. بل إن الأسوأ من ذلك أن يقلبوا الصورة كاملة، فيجعلونك أنت المقصر، ويتناسون أعوامًا من الاحتواء من أجل موقفٍ واحد لم تستطع فيه أن تلبي ما أرادوا.
ومع كثرة التجارب يصبح الإنسان يتوقع الجحود حتى وهو يفعل الخير، لا لأنه تغير، بل لأنه رأى الحقيقة مرارًا. ومع ذلك تبقى الراحة الحقيقية في شعور الإنسان بأنه جبر ولم يكسر، واحتوى ولم يؤذِ، وأعطى دون دناءة أو منٍّ أو أذى. فالرقِي الحقيقي ليس فيما نأخذه من الناس، بل فيما نتركه في نفوسهم من أثر طيب.
إن أكثر العلاقات إنهاكًا هي تلك التي تستنزف الروح والعقل والصحة النفسية تحت اسم المحبة أو القرابة. فهناك أشخاص يستهلكون وقتك وجهدك ومشاعرك بشراهة، ثم حين تظهر حقيقتهم تكتشف أن ما ضاع لا يمكن تعويضه بسهولة. ولهذا كان الانسحاب من العلاقات المؤذية أحيانًا ضرورة لا قسوة، وحماية للنفس لا أنانية.
وقد صدق القائل: “إذا أنت أكرمت الكريم ملكته… وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدَا”.
لكن رغم كل شيء، يبقى الخير قيمة سامية لا ينبغي أن نتخلى عنها بسبب جحود البعض. افعل الخير لأن الله يراه، لا لأن الناس تشكر عليه. فالناس تنسى، وتتبدل قلوبها، أما الله فلا يضيع عنده معروف، ولا يغيب عنه جبر خاطر، ولا تخفى عليه دمعة مظلوم أو قلب مكسور.
ولهذا فإن أنقى درجات السلام أن تُحسن ثم تمضي، دون انتظار تصفيقٍ من أحد، ودون أن تربط عطائك بوفاء البشر. يكفيك أنك كنت يومًا يدًا رحيمة في زمنٍ قاسٍ، وقلبًا نقيًّا وسط عالمٍ يزداد جفافًا كل يوم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق