2026-05-25

وجوه لا تكشفها إلا التجارب

 


دكتور محمد الشافعي 

تقول الحكمة العربية إنك لا تعرف الإنسان حق المعرفة إلا إذا سافرت معه، أو تعاملت معه في المال، أو عشت معه في بيت واحد. وهي مقولة تختصر خبرات طويلة من التجربة الإنسانية، حيث تسقط الأقنعة، ويظهر الجوهر الحقيقي بعيدًا عن المجاملات وصور التكلف الاجتماعي.

فالسفر يكشف الطباع في لحظات التعب والانتظار، حين تضيق المساحات وتطول الساعات، فيظهر الصبر أو الضجر، ويتجلى التعاون أو الأنانية. وهناك، في الغربة المؤقتة، يتعرّى الإنسان من كثير من زينته اليومية، ويصبح أكثر صدقًا مع نفسه ومع الآخرين.

أما المعاملات المالية، فهي ميزان دقيق للنفوس. فحين يدخل المال بين الناس، تُختبر الذمم، وتظهر حدود الأمانة والطمع، ويُعرف من يقدّم حق غيره على هواه، ومن يجعل المصلحة فوق القيم. لذلك قيل إن المال يكشف ما لا تكشفه الكلمات.

والعيش تحت سقف واحد هو الامتحان الأعمق؛ فهنا لا مجال للتمثيل الطويل، ولا للظهور المتقطع. تتكرر المواقف الصغيرة التي تصنع الصورة الكاملة: في العادات، في ردود الأفعال، في احترام الخصوصية، وفي القدرة على الاحتمال والتفاهم.

لكن هناك إضافة أكثر حداثة وواقعية، يفرضها واقع العلاقات المعاصرة: إذا أردت أن تعرف الإنسان حقًا، فجربه في موقع المسؤولية، أو في موقع الإدارة. فالمناصب ليست مجرد ألقاب، بل هي كاشف دقيق للطباع. عندها يتبين العدل من المحاباة، والحكمة من التسلط، والتواضع من الغرور، والقدرة على تحمل الأمانة من الميل إلى الاستبداد.

فالمدير الحقيقي لا يُقاس بما يطلبه من الآخرين، بل بما يقدمه لهم من إنصاف وتنظيم ورؤية. وفي لحظات القرار، تتجلى الأخلاق قبل الخبرة، وتتكلم النفس قبل اللوائح.

وهكذا، تبقى معرفة الإنسان رحلة لا تختصرها لحظة واحدة، بل مواقف متراكمة تكشف العمق الإنساني شيئًا فشيئًا، حتى تتضح الحقيقة كاملة بلا رتوش ولا أقنعة.

ليست هناك تعليقات: