دكتور محمد الشافعي
حين يتحول التسامح إلى دعوةٍ للاستهانة
التسامح خُلُقٌ نبيل، لا يصدر إلا عن نفسٍ راقية تعرف قيمة الصفح، وتدرك أن الحياة أثقل من أن تُحمَّل بكل خصومة، وأن القلوب الأنقى هي التي تتجاوز الزلات الصغيرة، وتمنح الآخرين فرصًا جديدة. غير أن لكل فضيلةٍ حدًّا إذا تجاوزته انقلبت إلى ضعف، ولكل لينٍ موضعًا إذا أُفرِط فيه صار بابًا للتهاون والاستخفاف.
فالإفراط في التسامح أحيانًا لا يُعلِّم الناس المحبة، بل يُعوِّد بعضهم على التعدي دون خوف، وعلى التقصير دون شعور بالذنب. وحين يعتاد الإنسان أن أخطاءه تُغفر دائمًا، وأن تجاوزاته تُقابل بالصمت، فقد يفقد إحساسه بحدود الآخرين وحقوقهم. عندها لا يصبح التسامح قيمة تُحترم، بل عادة يُساء استغلالها.
إن الإنسان الحكيم ليس ذلك الذي يغض الطرف عن كل شيء، بل الذي يعرف متى يسامح، ومتى يتوقف، ومتى يضع حدًّا يحفظ به كرامته وراحته النفسية. فالحياة لا تستقيم بالعنف والقسوة، لكنها كذلك لا تستقيم بالتنازل الدائم الذي يستهلك الروح ويُضعف الهيبة ويُربك ميزان العلاقات.
وليس المقصود من الحزم أن يتحول المرء إلى شخص جافّ القلب، بل أن يدرك أن احترام الذات ضرورة، وأن التسامح الحقيقي لا يعني السماح للآخرين بتكرار الأذى دون حساب. فبعض الناس لا يتعلمون من الكلمات، بل من الحدود الواضحة، ومن الصمت الذي يعلن انتهاء فرص التهاون.
إن العلاقات الإنسانية السوية تقوم على التوازن؛ رحمة بلا ضعف، وحزم بلا قسوة، وعفوٍ لا يلغي الكرامة. فحين يعرف الإنسان قدر نفسه، ويُحسن استخدام التسامح في موضعه الصحيح، يصبح أكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على حماية قلبه من الاستنزاف، دون أن يفقد إنسانيته أو نقاءه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق