2026-04-21

خيانة موجعة



كتب عبد الله الشعراوي

........ 

 حين يكون الفضل عُمرًا… والخيانة لحظة

.........

ليست كل العلاقات تُقاس بطول مدّتها، ولا كل النهايات تُقاس بوقعها في لحظة الانفصال، بل إن بعضها يمتد أثره في النفس طويلًا، كندبةٍ لا تزول، وإن خفّ ألمها مع الأيام. تلك كانت علاقة بدأت مع أولى خطواتها في القسم، وانتهت مع آخر لحظات تخرجها، أربع سنواتٍ كاملة، لم تكن مجرد زمنٍ عابر، بل كانت مسارًا مشحونًا بالعطاء والرعاية والاحتواء.

دخلت القسم طالبةً، تحمل من الطموح ما تحمله غيرها، وربما أقل، لكنّها لم تكن وحدها في هذا الطريق؛ إذ وجدت من يتكفّل بها علمًا وتوجيهًا ودعمًا، حتى بلغت ما بلغت، وتخرجت بتقدير "جيد جدًا مع مرتبة الشرف"، وهو إنجازٌ لم يكن ليتحقق – بعد توفيق الله – لولا تلك الرعاية الممتدة التي لم تدخر جهدًا ولا وقتًا ولا مالًا. فقد امتد العطاء ليشمل أدق تفاصيل حياتها، حتى أغراضها الشخصية لم تكن عبئًا عليها، بل حُملت عنها كاملة.

وفي خضم هذه السنوات، لم تقف العلاقة عند حدود الرعاية الأكاديمية، بل تطورت إلى ارتباط رسمي، بدأ بخطوبة في الفرقة الثالثة، ثم تُوِّج بعقد القران، وكأن المسار يسير نحو اكتمالٍ طبيعي، غير أن ما كان يُبنى في العلن، كانت تنخره خيوط خفية من التوتر والمشكلات، بدأت تتكشف مع الأم، تلك التي لم تُحسن التقدير، ومع أحد أخوالها، الذي جمع بين النرجسية والتغطرس، فزاد المشهد تعقيدًا، وألقى بظلاله الثقيلة على العلاقة.

ثم جاءت الصدمة، لا في صورة خلافٍ عابر، بل في اكتشافٍ مباغت، كشف عن علاقاتٍ أخرى مع أحد الشباب، علاقات لم يُعرف مداها، لكنها كانت كافية لهدم ما بُني، خاصة حين جاءت بعض ملامح الحقيقة من داخل دائرتها القريبة، عبر زوج أختها، ليؤكد أن الأمر لم يكن مجرد وهمٍ أو شك.

ولم تقف الخيانة عند هذا الحد، بل تكشّف ما هو أشد وقعًا، حين علم – من زميلٍ في قسم علم النفس – بعلاقة أخرى مع عميد الكلية، كانت وسيلةً للنجاة من الرسوب في التمهيدي، وكل ذلك وهي لا تزال على ذمته، في مشهدٍ يُجسّد أقسى صور الاستغلال، حيث تحوّل العطاء إلى سُلّم، تُصعد عليه، ثم يُترك في أول محطة.

كان الطلاق سريعًا، حاسمًا، كمن يقطع حبلًا اهترأ، لكن السرعة لم تمنع الألم من أن يترسخ، ولم تحُل دون أن يترك هذا الانكسار أثرًا عميقًا في النفس، جرحًا بدا في حينه كأنه لا يُشفى. غير أن الزمن – بما له من سطوة هادئة – أعاد ترتيب الشعور، فخفّ الألم، وتحوّلت الذكرى من وجعٍ حيّ إلى تجربةٍ تُرى من بعيد.

واليوم، وبعد أكثر من ربع قرن، لم تعد رؤيتها تُحدث في النفس اضطرابًا، بل ربما تولّد إحساسًا مختلفًا، أقرب إلى الامتنان الخفي، لا لها، بل لذلك القرار الذي أنقذ ما تبقى من كرامة، وجنّب استمرار طريقٍ كان سينتهي إلى ما هو أشد.

وأخيرًا، ليس كل ما نخسره يكون خسارة، فبعض الفراق نجاة، وبعض النهايات رحمة، وإن جاءت في ثوب الألم.

حين كان السؤال: ماذا قرأت

 


مهندس عاصم شاكر 

كان للزمن القديم إيقاعٌ مختلف، لا تُعكّره ضوضاء الإشعارات، ولا تبتلعه شاشاتٌ لا تشبع. في تلك الأيام التي سبقت سطوة الإنترنت والهواتف الذكية، كانت القراءة رفيقًا وفيًّا، يجالس الناس على اختلاف أعمارهم وثقافاتهم، فيمنحهم من صفائه ما يرقّي العقول ويهذّب الأرواح.

لم تكن القراءة آنذاك ترفًا، بل كانت جزءًا أصيلًا من نسيج الحياة اليومية. المجلات، الجرائد، الكتب الدورية عند باعة الصحف، كانت جميعها منابع معرفة تُرتاد بشغف. وكان للبيت نصيبٌ وافر من هذا الوهج؛ إذ كان والدي – رحمه الله – يجمع ما تصل إليه يداه من تلك الإصدارات، ويكدّسها في المنزل، لا لتُهمل، بل لتكون زادًا لنا، نقرأ ونتعلم ونرتقي.


فنشأنا ونحن على صلة وثيقة بمطبوعات راقية كـ“المنهل” و“العربي”، وارتبطنا بسلسلة “عالم المعرفة”، نترقب صدورها كما يُترقّب العطشان مورد الماء. لم نكن نملّ القراءة، بل كانت متعتنا الخالصة، ومجال تنافسنا وتفاخرنا.


ومنذ المرحلة الإعدادية، أخذت علاقتنا بالكتاب بُعدًا أعمق؛ فتبادلنا الكتب، ولا سيما مؤلفات أنيس منصور ومصطفى محمود، نتداولها كما تُتداول الكنوز، ننهل منها، ونتحاور حولها. وكان هناك سؤالٌ يتردد في مجالسنا، كأنه ميزان الوعي: ماذا قرأت مؤخرًا؟ وما آخر كتابٍ فرغت منه؟

لم يكن سؤالًا عابرًا، بل كان بابًا نتبادل عبره المعارف، ونبني عقولنا بناءً متدرجًا راسخًا.


غير أن هذا السؤال، لو طُرح اليوم، لأضحى في كثير من الأحيان مثار سخرية. لا لشيءٍ إلا لأن مكانة القراءة قد تراجعت تراجعًا ملحوظًا في زمنٍ هيمنت فيه السرعة على حساب العمق، والسطحية على حساب التمحيص.


وفي هذا السياق، برزت أدوات حديثة، وعلى رأسها “شات جي بي تي”، التي يلوذ بها كثيرون طلبًا للإجابة السريعة. غير أن المشكلة لا تكمن في الأداة ذاتها، بل في طريقة التعامل معها؛ إذ إن الاعتماد المطلق عليها دون بحثٍ جاد أو مراجعةٍ واعية قد يوقع في مساراتٍ من الجهل المقنّع، ويُغري بالاكتفاء بالمعلومة الجاهزة، ولو كانت مبتورة أو غير دقيقة. وهنا يكمن الخطر: أن يظن المرء أنه قد عَلِم، وهو في الحقيقة لم يبذل جهد الفهم ولا مشقة التحقق.


لقد نشأ جيلٌ لا يقرأ كما ينبغي، بل ولا يكلّف نفسه عناء مراجعة ما يُقدَّم له عبر هذه الوسائط. جيلٌ لم يعش مع الكتاب، ولم يتذوق لذة البحث، ولا عناء الوصول إلى المعلومة، فغابت عنه قيمة الكتاب، لأنه ببساطة لم يكن يومًا جزءًا من حياته.


وهنا تتجلى الفجوة بين زمنين: زمنٍ كانت المعرفة فيه رحلة، وزمنٍ صارت فيه ومضة عابرة. بين من كان يسأل ليزداد، ومن يكتفي بما يُلقى إليه دون مساءلة.

إن استعادة مكانة القراءة ليست حنينًا أجوف، بل ضرورة حقيقية. فالعقل الذي لا يقرأ، ولا يتحقق، ولا يناقش، يظل هشًّا، عرضةً لكل ما يُلقى إليه.

ولعلنا أحوج ما نكون اليوم إلى إحياء ذلك السؤال القديم، بكل ما يحمله من عمق: ماذا قرأت مؤخرًا؟

فهو ليس سؤالًا عن كتاب فحسب، بل عن وعيٍ يُبنى، وعقلٍ يُصان من السطحية والاغترار. وحتى لا يصبح لدينا نماذج اخري من الجحشان.