دكتور محمد العوادي
تُعد الجامعة في وجدان المجتمع قلعةً للعلم والمعرفة، ومنارةً للفكر والتنوير، ومؤسسةً يُفترض أن تقوم على معايير العدل والشفافية وتكافؤ الفرص. غير أن الواقع في كثير من الأحيان يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى تحقق هذه المبادئ داخل بعض المؤسسات الجامعية، خصوصًا فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية لأعضاء هيئة التدريس وآليات توزيع الموارد المالية.
فمن غير المنطقي أن يحمل الأستاذ الجامعي أمانة إعداد الأجيال وصناعة العقول، ثم يجد نفسه في مواجهة راتب لا يتناسب مع مكانته العلمية ولا مع دوره المجتمعي. إن الأستاذ الجامعي لا يؤدي وظيفة عادية، بل يضطلع برسالة تتطلب سنوات طويلة من الدراسة والبحث والتأهيل، الأمر الذي يجعل تحسين أوضاعه المادية ضرورة لا رفاهية.
وإذا كان ضعف الرواتب يمثل أحد أوجه المشكلة، فإن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية يتعلق بالبرامج التعليمية المميزة وما تدره من عوائد مالية متفاوتة.
فبعض هذه البرامج تستقطب أعدادًا كبيرة من الطلاب، مما ينعكس على حجم الموارد المتحصلة منها، سواء من الرسوم الدراسية أو من المواد التعليمية المرتبطة بها. وفي المقابل توجد أقسام أكاديمية أخرى تؤدي رسالتها العلمية بنفس الجدية والكفاءة، لكنها لا تحظى بنفس الأعداد أو الموارد.
وينشأ عن هذا الواقع تفاوتٌ كبير بين أعضاء هيئة التدريس، ليس بالضرورة بسبب اختلاف في الكفاءة أو التميز العلمي، وإنما نتيجة اختلاف طبيعة البرامج وأعداد الطلاب وآليات الاختيار للتدريس فيها.
وهنا يبرز السؤال: هل ينبغي أن يرتبط الدخل الإضافي للأستاذ الجامعي بعوامل قد لا تكون مرتبطة مباشرة بجهده العلمي أو قدراته الأكاديمية؟
إن العدالة المؤسسية تقتضي البحث عن صيغ أكثر توازنًا تضمن حياة كريمة لجميع أعضاء هيئة التدريس، وتحد من الفجوات الواسعة التي قد تنشأ بينهم.
ومن بين المقترحات التي تستحق النقاش إعادة النظر في هيكل الرواتب الأساسية بما يحقق زيادة حقيقية تتناسب مع قيمة الأستاذ الجامعي ومكانته، واقترح أن يزيد بمعدل اربع مرات عن الوضع الحالي.
مع دراسة آليات أكثر عدالة لتوزيع جزء من العوائد المالية الناتجة عن البرامج المميزة والكتاب الجامعي.
فبدلًا من أن تتركز الاستفادة في نطاق محدود، يمكن توجيه نسبة كبيرة من هذه الموارد لدعم منظومة الرواتب والمزايا لجميع أعضاء هيئة التدريس، باعتبار أن نجاح أي برنامج جامعي هو في النهاية ثمرة جهد المؤسسة بأكملها، وليس جهد أفراد بعينهم.
كما يمكن تخصيص نسبة أخرى توزع بصورة عادلة بين أعضاء هيئة التدريس على مستوى الجامعة، بما يعزز الشعور بالشراكة والانتماء ويحد من مظاهر التفاوت المفرط.
إن الجامعة القوية لا تُبنى بالمباني وحدها، ولا بالبرامج المميزة فقط، وإنما تُبنى أولًا بالإنسان الذي يقف في قاعة الدرس ومعمل البحث ومكتب الإشراف العلمي. وعندما يشعر الأستاذ الجامعي بأن العدالة حاضرة، وأن التقدير المادي والمعنوي يوازي حجم عطائه، يصبح أكثر قدرة على الإبداع والإنتاج وخدمة طلابه ووطنه.
فالعدالة داخل الجامعة ليست مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل هي استثمار حقيقي في مستقبل التعليم نفسه، لأن إنصاف المعلم هو الخطوة الأولى نحو بناء مؤسسة علمية أكثر قوةً وتأثيرًا واستقرارًا.
