2026-11-03

آفات لا مفر منها


دكتور محمد الشافعي 

التي نتعرض لها في حياتنا اليومية عابرة بالمعنى الذي نتصوره، فبعضها ينتهي ظاهريًّا بانتهاء اللقاء، لكنه يظل عالقًا في النفس، يستدعيه العقل من حين إلى آخر، ويعيد معه مشاعر الضيق والانزعاج. وقد نحاول أن نتجاهله أو نتظاهر بأن الأمر لا يستحق الالتفات، لكن الحقيقة أن بعض التصرفات تترك أثرًا لا تمحوه مغادرة المكان، ولا ينهيه انصراف أصحابها.

فنحن نعيش وسط دوائر بشرية متشابكة، لا نملك دائمًا اختيار من نتعامل معهم؛ في العمل، وفي المصالح اليومية، وفي الشارع، وفي محيطنا الاجتماعي، وحتى في فضاء التواصل الاجتماعي الذي أصبح يضعنا أمام نماذج بشرية لا حصر لها. ومن الطبيعي أن نلتقي بأشخاص تختلف طباعهم وتتباين مستويات تفكيرهم، لكن المشكلة ليست في الاختلاف، وإنما في تلك الآفات السلوكية التي تجعل التعامل مع بعض الناس عبئًا نفسيًّا حقيقيًّا.

ولعل أولى هذه الآفات وأكثرها إزعاجًا الغباء، وليس المقصود به محدودية المعرفة أو ضعف التحصيل، فهذه أمور يمكن تجاوزها بالتعلم واكتساب الخبرة، وإنما ذلك الغباء الذي يتجلى في العجز عن الفهم رغم وضوح الأمور، والإصرار على الخطأ رغم ظهور الصواب، ومناقشة البديهيات وكأنها اكتشافات تحتاج إلى برهان، فضلًا عن الثقة المفرطة في أحكام لا تستند إلى معرفة أو تفكير. إنه ذلك النوع الذي يستنزف طاقة من يتعامل معه، لأنك تجد نفسك مضطرًّا إلى شرح ما لا يحتاج إلى شرح، وإعادة ما قيل أكثر من مرة، والدخول في جدل لا نهاية له.

ثم يأتي الكذب، تلك الآفة التي لا تفسد الكلام وحده، بل تهدم الثقة وتشوّه العلاقات. فهناك من يكذب لتحقيق مصلحة، ومن يكذب هربًا من مسؤولية، ومن يختلق الروايات ليظهر في صورة أفضل، ومن يغيّر الحقائق وفقًا لما تقتضيه مصلحته أو ما يرضي غروره. والأسوأ من الكذب ذاته أن يظن صاحبه أن الآخرين لا يدركون حقيقته، وأن تكرار الرواية يمنحها صفة الصدق.

أما الرغي، فهو آفة أخرى لا تقل إزعاجًا؛ ذلك الكلام الذي لا يعرف صاحبه متى يبدأ أو متى ينتهي، ولا يميز بين ما يستحق أن يقال وما لا قيمة له. حديث طويل بلا مضمون، وتفاصيل لا تعني أحدًا، وتكرار لا يضيف جديدًا، ومقاطعة للآخرين دون اكتراث بما يقولون. فبعض الناس يتعامل مع الصمت وكأنه عجز، ومع كثرة الكلام وكأنها دليل على الذكاء والحضور، بينما الحقيقة أن القدرة على الكلام ليست فضيلة في ذاتها، وأن حسن الحديث يبدأ من معرفة متى نتكلم ومتى نصمت.

ولا يقل التطفل سوءًا عن ذلك؛ فهناك من لا يحترم المسافات الشخصية، ولا يدرك أن للآخرين حياة خاصة لا ينبغي اقتحامها. يسأل عما لا يعنيه، ويتدخل فيما لا يخصه، ويتتبع التفاصيل، ويستدرج الآخرين إلى الإفصاح عن أمور لا يرغبون في الحديث عنها. وقد يتخذ من الفضول المفرط وسيلة للتدخل في القرارات والاختيارات، وكأن حياة الآخرين شأن عام مباح للجميع.

ومن الآفات أيضًا العُجب بالنفس، ذلك الشعور المتضخم الذي يجعل صاحبه يرى نفسه فوق الآخرين، فلا يسمع إلا صوته، ولا يعترف إلا برأيه، ولا يتقبل نقدًا أو اختلافًا. يظن أنه الأعلم والأفهم والأكثر خبرة، ويمنح نفسه مكانة لم يمنحها له أحد، وقد يتحول إعجابه بذاته إلى استعلاء صريح وانتقاص مستمر من الآخرين.

وهناك آفة المقاطعة، حين لا يمنحك أحد فرصة لإكمال جملة واحدة، وكأن الاستماع إلى الآخرين عبء لا يحتمله. وآفة الجدال العقيم، حيث لا يكون الهدف الوصول إلى الحقيقة، وإنما الانتصار للرأي مهما كان ضعيفًا. وآفة الوقاحة التي يتخفى أصحابها أحيانًا وراء شعار الصراحة، فيخلطون بين الجرأة وسوء الأدب، وبين التعبير عن الرأي والتعدي على مشاعر الآخرين.

وهناك أيضًا سوء الظن، ونكران الجميل، والحسد، والثرثرة في أسرار الناس، والتدخل في شؤونهم، وادعاء المعرفة، والتعالي، والشكوى الدائمة، وافتعال المشكلات، وتصيد الأخطاء، والبحث عن مواطن الضعف لدى الآخرين. ومنهم من لا يرى في نجاح غيره إلا فرصة للانتقاص منه، ولا يجد في إنجاز الآخرين ما يستحق التقدير، وكأن الاعتراف بفضل إنسان آخر ينتقص من قيمته الشخصية.

وقد تجتمع عدة آفات في شخص واحد، فتجد نفسك أمام نموذج يجمع بين الجهل والغرور، أو الكذب والتطفل، أو الثرثرة وسوء الظن، أو الوقاحة وادعاء الحكمة. وهنا يصبح التعامل معه أكثر صعوبة، لأنك لا تواجه سلوكًا واحدًا يمكن احتواؤه، وإنما منظومة من الطباع المزعجة التي تتغذى بعضها على بعض.

والمشكلة الحقيقية أن هذه النماذج ليست استثناءات نادرة، بل نصادفها باستمرار، وقد نضطر إلى التعامل معها بحكم العمل أو الجوار أو المصالح أو الروابط الاجتماعية. وليس في مقدورنا أن نعيد تشكيل طباع الناس، ولا أن نفرض عليهم قدرًا من الوعي أو الذوق أو احترام الآخرين. كما أننا لا نستطيع أن نختار دائمًا من يدخلون حياتنا أو من تجمعنا بهم الظروف.

وهنا تظهر معضلة أخرى؛ فليس من السهل دائمًا أن نترك الموقف يمر. قد نعلم أن التجاهل أفضل، وأن الرد لن يغير شيئًا، وأن الجدال لن يصل إلى نتيجة، لكن ذلك لا يمنع أن نتأثر بما حدث. فبعض الكلمات تستفزنا، وبعض التصرفات تستدعي رفضنا، وبعض المشاهد تصطدم بما نؤمن به من قيم ومبادئ. وقد ينتهي الموقف في دقائق، بينما يستمر أثره النفسي ساعات طويلة، وربما يفسد علينا بقية اليوم.

ولذلك فإن الدعوة إلى التجاهل المطلق ليست واقعية، كما أن الدخول في مواجهة مع كل تصرف مزعج ليس حكمة. فليس كل موقف يستحق الرد، وليس كل إساءة ينبغي أن تمر بلا موقف. إنما الحكمة أن نعرف متى نتكلم ومتى ننسحب، ومتى يكون الصمت حفاظًا على سلامنا النفسي، ومتى يصبح الرد ضرورة لحماية كرامتنا ووضع حد للتجاوز.

وربما كان الحل الأكثر واقعية أن نقلل مساحات الاحتكاك قدر الإمكان، وأن نضع حدودًا واضحة في تعاملاتنا، وألا نمنح كل شخص حق الدخول إلى مساحتنا النفسية. وأن نتعلم طول البال، لا باعتباره قبولًا بالسلوك السيئ، وإنما قدرة على احتواء ما لا نستطيع تغييره. وأن نفوض أمرنا إلى الله فيما يعجزنا التعامل معه، دون أن نسمح لكل عابر بأن يستولي على تفكيرنا ومزاجنا.

لكن علينا أن نعترف بحقيقة قد لا تعجبنا: ليس كل ما يزعجنا يمكن تجنبه، وليس كل من نختلف معه يمكن إصلاحه، وليس كل موقف مؤلم نستطيع محوه من ذاكرتنا بمجرد قرار. فالبشر ليسوا على درجة واحدة من الوعي والذوق والنضج، وستظل هذه الآفات جزءًا من واقع التعامل الإنساني، ما دمنا نعيش بين الناس.

ويبقى الأهم ألا نسمح لعيوب الآخرين بأن تتحول إلى عبء دائم نحمله داخلنا. فلا يستحق كل أحمق أن يستنزف تفكيرنا، ولا كل كاذب أن يفسد صفاءنا، ولا كل متطفل أن يقتحم خصوصيتنا، ولا كل صاحب لسان طويل أن يسرق ساعات من يومنا.

فبعض الناس لا نستطيع تجنبهم، لكننا نستطيع أن نحد من تأثيرهم، وبعض المواقف لا نستطيع منعها، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نخرج منها بأقل قدر من الخسائر النفسية.

فليست المشكلة دائمًا في أننا نلتقي بأشخاص مزعجين، وإنما في أن نمنحهم من وقتنا وهدوئنا وتفكيرنا أكثر مما يستحقون.