2026-08-25

لا تبحث عن الأعذار


 

دكتور محمد الشافعي 

لا تُرهق عقلك في تفسير الناس

كم من إنسان استنزف راحته وهو يفتش عن معنى لكل كلمة، ويبحث عن مبرر لكل موقف، ويُعيد قراءة كل تصرف عشرات المرات؛ ظنًّا منه أن الحقيقة تختبئ في التفاصيل، بينما كانت الحقيقة أبسط من كل هذا العناء.

الحقيقة أن من يحب لا يُربكك، بل يُطمئنك. ومن يقدّرك لا يتركك أسير الاحتمالات، ولا يجعلك تقضي ساعات في تأويل صمته أو تفسير بروده أو البحث عن الأعذار له. فالمودة الصادقة لا تحتاج إلى مترجم، والاحترام الحقيقي لا يتحدث بلغة الغموض.

إن العلاقات السوية لا تُقاس بقدرتك على اختراع التبريرات للطرف الآخر، وإنما بقدر الوضوح الذي يمنحه لك. فكلما كان الإنسان صادقًا في مشاعره، كان واضحًا في أفعاله، وكلما ازدادت التناقضات، كثرت التأويلات، واتسعت مساحة القلق.

ومن أكثر الأخطاء التي يقع فيها الإنسان أن يتحول إلى محامٍ يدافع عن الآخرين أمام نفسه. يختلق لهم الأعذار، ويُجمّل أخطاءهم، ويقنع قلبه بأن الإهمال انشغال، وأن التجاهل ظرف، وأن البرود خجل، وأن الغياب اضطرار. ومع مرور الوقت، لا تتغير تصرفاتهم، وإنما يزداد هو إنهاكًا.

لا تُبرر لأحد شيئًا لم يطلب هو تبريره، ولا تحمل عن الناس مسؤولية تفسير أفعالهم. فمن أراد أن يوضح موقفه سيفعل، ومن احترم مكانتك لن يتركك حائرًا بين عشرات الاحتمالات. أما الذي اعتاد أن يبعث الرسائل المتناقضة، فسيظل يفعل ذلك مهما اجتهدت في تحسين صورته داخل عقلك.

تذكر دائمًا أن الأفعال لا تعرف المراوغة. فالاهتمام يُرى، والوفاء يُلمس، والاحترام يُمارس، والمحبة الصادقة تُشعرك بالسكينة قبل أن تُقنعك بالكلمات. أما العلاقات التي تُرهقك كل يوم في البحث عن تفسير جديد، فهي تستنزف أعصابك أكثر مما تمنحك من طمأنينة.

احفظ طاقتك لما يستحقها، ولا تجعل عمرك يضيع في تحليل ما كان ينبغي أن يكون واضحًا منذ البداية. فليس من واجبك أن تفسر تصرفات الناس، وليس من حق أحد أن يجعلك تعيش في دوامة الشك ثم يطالبك بحسن الظن.

إن أكرم ما تهديه إلى نفسك أن تتعامل مع الناس كما تكشفهم أفعالهم، لا كما يتمنى قلبك أن يكونوا. فلا تُرهق عقلك في نسج الأعذار، ولا تُبدد طاقتك في تفسير ما تعمّد صاحبه أن يتركه غامضًا. فالوضوح خُلُق، والاتساق دليل صدق، أما الغموض الدائم فليس لغزًا يحتاج إلى حل، بل رسالة ينبغي أن تُقرأ كما هي.