2026-05-17

حين يصبح الحياد خذلانًا

دكتور محمد الشافعي 

في حياة الإنسان مواقف لا يكون فيها الصمت حكمة، ولا يكون الابتعاد نجاة، بل يصبح السكوت فيها لونًا من ألوان التخلّي عن الحق، ولو ارتدى ثوب الحياد. فليس كل من صمت كان متزنًا، وليس كل من ابتعد كان عاقلًا، لأن هناك لحظات يكون فيها السكوت مساحةً يتمدّد فيها الظلم، ويجد فيها الباطل طريقه آمنًا بلا مقاومة.

إن أخطر ما قد يصيب المجتمعات ليس وجود الظالم وحده، بل اعتياد الناس على رؤية الظلم ثم التعايش معه كأنه أمر عابر لا يستحق الموقف. حين يرى الإنسان حقًا يُسلب ثم يقول: “وما شأني؟”، فإنه يترك المظلوم وحيدًا في مواجهة القسوة، ويمنح الظالم شعورًا خفيًا بالأمان، وكأن صمت الجميع شهادة ضمنية بأن ما يفعله يمكن احتماله أو السكوت عنه.

وفي بيئات العمل تتكرر المشاهد ذاتها؛ موظف يُظلم، أو مجتهد تُنسب جهوده إلى غيره، أو إنسان يُهان أمام الآخرين، بينما يقف من يعرفون الحقيقة في دائرة الصمت خوفًا من الخسارة أو تجنبًا للمشكلات. وهنا لا يكون الحياد موقفًا نبيلاً، بل يصبح تراجعًا عن نصرة الحق، لأن الحقيقة التي لا تجد من يدافع عنها تبهت مع الوقت، ويعلو فوقها صوت الأقوى لا صوت الأصدق.

وكذلك في العلاقات الإنسانية، قد يتحول التبرير المستمر للأخطاء إلى مشاركة غير مباشرة فيها. فبعض الناس يظنون أن المحبة تعني الصمت عن الخطأ، بينما الحب الحقيقي هو الذي يمنع من نحبهم من التمادي في الظلم أو الإساءة. ولذلك كان المعنى العميق لقول النبي ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، أي أن تمنعه من ظلمه قبل أن تنصره إذا ظُلِم، لأن تركه يستمر في الخطأ ليس رحمة به، بل خذلان له ولمن حوله.

وقد وضع الإسلام ميزانًا واضحًا للموقف من المنكر، حين قال النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». ففي هذا الحديث دعوة صريحة إلى ألا يتحول الإنسان إلى شاهد صامت على الفساد والانحراف، وألا يكتفي بدور المتفرج بينما تتآكل القيم من حوله.

ولا يعني الوقوف مع الحق أن يتحول الإنسان إلى خصومة دائمة أو صدام مستمر مع الجميع، فالحكمة مطلوبة، والرفق محمود، لكن الفرق كبير بين الحكمة وبين التخاذل، وبين السلامة وبين التخلي عن المبادئ. فالإنسان الشريف قد يعجز أحيانًا عن تغيير الواقع، لكنه لا يرضى أن يكون جزءًا من الظلم بصمته أو تبريره أو حياده الزائف.

إن التاريخ لا يتذكر فقط الذين ارتكبوا الأخطاء، بل يتذكر أيضًا الذين رأوا الحق يُهزم واختاروا الصمت. ولهذا فإن قيمة الإنسان الحقيقية تظهر في مواقفه حين يكون الانتصار للحق مكلفًا، وحين يصبح الصمت أكثر راحة من الكلام. ففي تلك اللحظات يتمايز أصحاب المبادئ عن أصحاب المصالح، ويثبت من يحمل ضميرًا حيًا ممن اكتفوا بدور المتفرج.

فكن دائمًا مع الحق، ولو كان الطريق إليه شاقًا، ولا تجعل خوفك من الخسارة يدفعك إلى خسارة نفسك. لأن الإنسان قد ينجو أحيانًا من المعارك بصمته، لكنه لا ينجو من حكم ضميره حين يعلم أنه كان قادرًا على قول كلمة حق ثم اختار الصمت.