2026-06-30

معايير المعلم

 


دكتور محمد الشافعي

المعلم... مسؤولية قبل أن تكون مهنة

تُعد مهنة التدريس من أشرف المهن وأعظمها أثرًا في حياة الإنسان، فهي المهنة التي تصنع العقول، وتهذب السلوك، وتبني الأجيال. ومنذ المراحل التعليمية الأولى وحتى أروقة الجامعات، يظل المعلم هو الركيزة الأساسية في العملية التعليمية، ليس بوصفه ناقلًا للمعرفة فحسب، بل باعتباره مربيًا، وقدوةً، وصانعًا للوعي، ومؤشرًا للسلوك والأخلاق لدى التلميذ والطالب.

ولعل تأثير المعلم في السنوات الأولى من عمر التلميذ هو الأعمق والأبقى؛ ففي تلك المرحلة تتشكل الشخصية، وتُغرس المبادئ، وتُبنى أسس التفكير والانضباط واحترام الآخر. لذلك فإن أي خلل في شخصية المعلم أو سلوكه ينعكس مباشرة على من يتولى تعليمهم، وقد يترك آثارًا يصعب محوها مع مرور الزمن.

ومن هنا، لا يجوز أن يكون المعلم مشوبًا سلوكيا، أو معيبًا أخلاقيًا، أو فاقدًا للاتزان النفسي، بل ينبغي أن يتحلى بالحكمة، وسعة الصدر، والاتزان، وحسن التعامل، وأن يكون قادرًا على إيصال المعرفة بأسلوب راقٍ يجذب الطلاب ولا ينفرهم. كما أن حسن استخدام الصوت جزء من كفاءة المعلم؛ فالصوت الهادئ الواضح المعبر يساعد على الفهم، بينما الصراخ المستمر والإلقاء المنفر يبددان التركيز ويقتلان متعة التعلم.

وللأسف، قد نصادف أحيانًا نماذج لا تليق برسالة التعليم، حتى وإن حملت ألقابًا أكاديمية رفيعة. ومن حق المجتمع أن ينتقد هذه النماذج؛ لأنها تسيء إلى المؤسسة التعليمية وإلى مكانة المعلم نفسها. وإذا كان بعض الناس يصفون هذا الأسلوب بأنه الجحشاني، في إشارة إلى الصوت المنفر الذي يطغى على المحاضرة كلها، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الصوت وحده، وإنما في غياب الحضور التربوي، وضعف التواصل، وسوء معاملة الطلاب، وافتقاد الصفات التي تليق بمن يتصدر لتعليم الأجيال.

إن الجامعة والمدرسة ليستا مكانًا لمن يفتقد الحد الأدنى من الكفاءة الأخلاقية أو التربوية، لأن المعلم لا يؤدي وظيفة عادية، بل يحمل رسالة تتعلق ببناء الإنسان. ولهذا فإن اختيار المعلمين وأعضاء هيئة التدريس يجب أن يخضع لمعايير دقيقة، لا تقتصر على المؤهلات العلمية، وإنما تشمل السيرة الأخلاقية، والاتزان النفسي، والقدرة على التواصل، والاحترام المتبادل، وضبط النفس، والرفق بالطلاب.

إن الارتقاء بالتعليم يبدأ بالارتقاء بالمعلم. وكل إصلاح حقيقي لمنظومة التعليم لن يكتمل ما لم يكن المعلم نفسه نموذجًا يُحتذى في الخلق، والهيئة، والعلم، والاحترام، لأن الأجيال لا تتعلم بالكتب وحدها، وإنما تتعلم أيضًا من الشخص الذي يقف أمامها كل يوم.