دكتور محمد الشافعي
كرامة الأستاذ الجامعي بين رسالة العلم وضرورة الإنصاف
..................
ليس ما يتقاضاه عضو هيئة التدريس في الجامعة أجرًا يُوزن بميزان الساعات، ولا مكافأة تُقاس بحجم المحاضرات، بل هو راتب نظير وقتٍ يبذله في خدمة العلم، ورسالةٍ يؤديها في بناء العقول وصناعة الوعي. أمّا أجر العلم الحقيقي فليس من شأن المؤسسات ولا من اختصاص اللوائح، بل هو عند الله جلّ وعلا، يقدّره بقدر ما يبذله الأستاذ من تعبٍ وسهرٍ وتحضيرٍ وتأليفٍ وتوجيهٍ وتربيةٍ للأجيال.
فالأستاذ الجامعي لا يدخل قاعة المحاضرة ليُلقي كلماتٍ محفوظة، وإنما يدخلها بعد سنواتٍ طويلة من الكدّ والاجتهاد، وبعد رحلةٍ شاقة من الدراسة والبحث والتأليف، يحمِل فيها مسؤولية العلم وأمانة المعرفة. إنّه يقف أمام طلابه لا بوصفه موظفًا يؤدي عملًا إداريًا، بل بوصفه عقلًا يصوغ عقولًا، وروحًا تبعث الحياة في الفكر، وضميرًا يحرس الحقيقة ويصونها من التزييف.
ومن هنا، فإنّ الحديث عن رواتب أساتذة الجامعات ليس حديثًا عن أموالٍ أو امتيازات، بل هو حديث عن كرامة العلم، وهيبة المعرفة، ومكانة الأستاذ في المجتمع. فالمجتمعات التي ترفع قدر معلميها وتُحسن إلى علمائها هي مجتمعاتٌ تصنع مستقبلها بوعيٍ وثقة، أمّا التي تُهمِلهم وتُضيّق عليهم فإنها تُفرّط في أهم أدوات نهضتها.
إنّ الأستاذ الجامعي يحمل على عاتقه مسؤولياتٍ جسامًا؛ فهو باحثٌ يُنتج المعرفة، ومربٍّ يُهذّب العقول، ومفكّرٌ يواجه التحديات العلمية والفكرية، ومؤلفٌ يسهر الليالي في إعداد الكتب والدراسات، وموجّهٌ يرسم للطلاب طريق المستقبل. وكلّ ذلك يحتاج إلى بيئةٍ كريمة تحفظ له استقراره المادي، وتُعينه على التفرغ لرسالته العلمية دون أن يُثقل كاهله همّ المعيشة أو ضيق الموارد.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بزيادة رواتب أساتذة الجامعات إلى أربعة أضعاف على الأقل ليست رفاهيةً ولا مطلبًا شخصيًا، وإنما هي ضرورة علمية ومجتمعية. فهي خطوة تهدف إلى إعادة الاعتبار لمكانة الأستاذ، وحفظ هيبته، وتمكينه من أداء دوره في التعليم والبحث والتأليف، بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية التي تُضعف العطاء العلمي وتُرهق العقل المفكّر.
إنّ زيادة رواتب أعضاء هيئة التدريس تعني استقرارًا علميًا، والاستقرار العلمي يعني جودةً في التعليم، وجودة التعليم تعني أجيالًا أكثر وعيًا وقدرةً على البناء والإبداع. وهكذا فإنّ الإنصاف المالي للأستاذ الجامعي ليس إنفاقًا على فئةٍ محددة، بل استثمارٌ في مستقبل الأمة كلها، لأن الجامعة هي مصنع العقول، والأستاذ هو حجر الأساس في هذا المصنع.
كما أن الحفاظ على المكانة الاجتماعية للأستاذ الجامعي واجبٌ أخلاقي قبل أن يكون مطلبًا إداريًا؛ فالأمم لا تُقاس بما تملك من أموال، بل بما تُعطيه من احترامٍ لأهل العلم. وإذا كان الأستاذ قد أفنى عمره في طلب المعرفة وخدمة المجتمع، فمن حقه أن يعيش حياةً كريمة تليق بما قدّمه من جهدٍ وعطاء، وأن يشعر بأن المجتمع يُقدّر رسالته ويصون مكانته.
إننا حين نطالب بزيادة رواتب أساتذة الجامعات، فإننا نطالب بإنصاف العلم نفسه، ونطالب بحماية العقل الذي يُنير الطريق للأجيال، ونطالب بحفظ الهيبة التي تجعل من الأستاذ قدوةً في العلم والسلوك والفكر. فالعلم لا يزدهر في بيئةٍ فقيرة، ولا ينمو في ظل شعورٍ بالغبن، وإنما يزدهر حيث يجد التقدير والرعاية والإنصاف.
وفي الختام، تبقى رسالة الأستاذ الجامعي رسالةً سامية لا تُقاس بالأرقام وحدها، لكن العدالة تقتضي أن يُعطى صاحب الرسالة ما يعينه على أداء رسالته. وزيادة رواتب أعضاء هيئة التدريس إلى أربعة أضعاف على الأقل ليست مطلبًا ماليًا مجردًا، بل هي دعوةٌ لإعادة الاعتبار لمقام العلم، وترسيخ احترام الأستاذ، وبناء مجتمعٍ يؤمن بأن نهضته تبدأ من الجامعة، وأن الجامعة لا تقوم إلا بأستاذٍ مكرّمٍ كريم.