2026-04-22

وعيٌ يرفض الوصاية

 



كتب عبد الله الشعراوي 

ثمة قناعةٌ راسخة لدى بعض من يتصدّرون إدارة الشأن العام، مفادها أن الشعوب تُقاد بالوجوه، وأن حضور الممثلين كفيلٌ بتوجيه الرأي وصناعة القبول. ومن ثمّ، نراهم يزجّون بهؤلاء في كل حملةٍ تمسّ حياة الناس، من قضايا الضرائب والكهرباء إلى سائر ما يتصل بالشأن اليومي، ظنًا منهم أن الإعجاب بالنجوم كافٍ لأن يُسكت السؤال، ويُعطّل التفكير، ويحوّل الناس إلى تابعين بلا إرادة.

غير أن هذه النظرة لا تعكس إلا استخفافًا بالعقول، وسوء تقديرٍ لوعيٍ لم يعد كما كان. فالمتلقي اليوم ليس أسير صورة، ولا تابعًا لصوتٍ يُملى عليه من شاشة، بل هو قادر على التمييز بين ما يُراد له أن يقتنع به، وما ينبغي أن يُخضعه للفحص والتأمل.

وليس الأمر مقصورًا على القضايا العامة، بل يمتد إلى الإعلانات التجارية، حيث يطلّ الممثلون والممثلات في كل حين، يمدحون سلعًا لا يعلمون عنها إلا ما كُتب لهم، فيُزيّنون منتجاتٍ قد تضرّ بالصحة، أو تُقدَّم بغير ما تستحق من ثناء. وكأن المطلوب أن يُسلِّم الناس عقولهم لسلطة الشهرة، وأن يشتروا بلا تفكير، لمجرد أن وجهًا مألوفًا قد ابتسم لهم من خلف الشاشة.

وأمام هذا المشهد، يبرز موقفٌ رافض لا يكتفي بعدم الاقتناع، بل يتجاوزه إلى المخالفة التامة. فحين يُدفع بممثلٍ ليحثّ على سلوكٍ بعينه—كترشيد استهلاك الكهرباء أو غيره—يكون الردّ، عن وعيٍ وقصد، هو فعل العكس تمامًا. لا عن عبثٍ أو رغبةٍ في الإضرار، بل رفضًا لأن يُبنى الاقتناع على هذا الأسلوب القائم على الوصاية والاستخفاف. فإذا طُلب إطفاء النور عبر هذا الخطاب، كان الجواب إشعال الأنوار، لا إيمانًا بالفعل ذاته، بل اعتراضًا على الوسيلة التي فُرض بها.

إنها رسالة واضحة: لسنا نعاجًا تُساق، ولا عقولًا تُعطَّل، ولا إراداتٍ تُشترى ببريق الوجوه. ومن يظن غير ذلك، إنما يخاطب صورةً قديمةً لم تعد قائمة، ويتعامل مع وعيٍ تجاوز هذه المرحلة بكثير.

إن احترام الإنسان يبدأ من احترام عقله، وأي خطابٍ لا ينطلق من هذا الأساس، مصيره الرفض، بل والمقاومة. فالشعوب لا تُقنع بالإيحاء، ولا تُوجَّه بالتمثيل، وإنما تُخاطَب بالصدق، وتُحترم بالوضوح. وما دون ذلك، لن يكون إلا عبئًا على الرسالة، ودليلًا على خللٍ في فهم من يُرسِلها قبل من يتلقّاها.

2026-04-21

خيانة موجعة



كتب عبد الله الشعراوي

........ 

 حين يكون الفضل عُمرًا… والخيانة لحظة

.........

ليست كل العلاقات تُقاس بطول مدّتها، ولا كل النهايات تُقاس بوقعها في لحظة الانفصال، بل إن بعضها يمتد أثره في النفس طويلًا، كندبةٍ لا تزول، وإن خفّ ألمها مع الأيام. تلك كانت علاقة بدأت مع أولى خطواتها في القسم، وانتهت مع آخر لحظات تخرجها، أربع سنواتٍ كاملة، لم تكن مجرد زمنٍ عابر، بل كانت مسارًا مشحونًا بالعطاء والرعاية والاحتواء.

دخلت القسم طالبةً، تحمل من الطموح ما تحمله غيرها، وربما أقل، لكنّها لم تكن وحدها في هذا الطريق؛ إذ وجدت من يتكفّل بها علمًا وتوجيهًا ودعمًا، حتى بلغت ما بلغت، وتخرجت بتقدير "جيد جدًا مع مرتبة الشرف"، وهو إنجازٌ لم يكن ليتحقق – بعد توفيق الله – لولا تلك الرعاية الممتدة التي لم تدخر جهدًا ولا وقتًا ولا مالًا. فقد امتد العطاء ليشمل أدق تفاصيل حياتها، حتى أغراضها الشخصية لم تكن عبئًا عليها، بل حُملت عنها كاملة.

وفي خضم هذه السنوات، لم تقف العلاقة عند حدود الرعاية الأكاديمية، بل تطورت إلى ارتباط رسمي، بدأ بخطوبة في الفرقة الثالثة، ثم تُوِّج بعقد القران، وكأن المسار يسير نحو اكتمالٍ طبيعي، غير أن ما كان يُبنى في العلن، كانت تنخره خيوط خفية من التوتر والمشكلات، بدأت تتكشف مع الأم، تلك التي لم تُحسن التقدير، ومع أحد أخوالها، الذي جمع بين النرجسية والتغطرس، فزاد المشهد تعقيدًا، وألقى بظلاله الثقيلة على العلاقة.

ثم جاءت الصدمة، لا في صورة خلافٍ عابر، بل في اكتشافٍ مباغت، كشف عن علاقاتٍ أخرى مع أحد الشباب، علاقات لم يُعرف مداها، لكنها كانت كافية لهدم ما بُني، خاصة حين جاءت بعض ملامح الحقيقة من داخل دائرتها القريبة، عبر زوج أختها، ليؤكد أن الأمر لم يكن مجرد وهمٍ أو شك.

ولم تقف الخيانة عند هذا الحد، بل تكشّف ما هو أشد وقعًا، حين علم – من زميلٍ في قسم علم النفس – بعلاقة أخرى مع عميد الكلية، كانت وسيلةً للنجاة من الرسوب في التمهيدي، وكل ذلك وهي لا تزال على ذمته، في مشهدٍ يُجسّد أقسى صور الاستغلال، حيث تحوّل العطاء إلى سُلّم، تُصعد عليه، ثم يُترك في أول محطة.

كان الطلاق سريعًا، حاسمًا، كمن يقطع حبلًا اهترأ، لكن السرعة لم تمنع الألم من أن يترسخ، ولم تحُل دون أن يترك هذا الانكسار أثرًا عميقًا في النفس، جرحًا بدا في حينه كأنه لا يُشفى. غير أن الزمن – بما له من سطوة هادئة – أعاد ترتيب الشعور، فخفّ الألم، وتحوّلت الذكرى من وجعٍ حيّ إلى تجربةٍ تُرى من بعيد.

واليوم، وبعد أكثر من ربع قرن، لم تعد رؤيتها تُحدث في النفس اضطرابًا، بل ربما تولّد إحساسًا مختلفًا، أقرب إلى الامتنان الخفي، لا لها، بل لذلك القرار الذي أنقذ ما تبقى من كرامة، وجنّب استمرار طريقٍ كان سينتهي إلى ما هو أشد.

وأخيرًا، ليس كل ما نخسره يكون خسارة، فبعض الفراق نجاة، وبعض النهايات رحمة، وإن جاءت في ثوب الألم.