دكتور محمد الشافعي
قد يخدع المرء نفسه حين يظن أن المظاهر تصنع له قيمة، وأن البريق الخارجي قادر على أن يخفي خواء الداخل. كم من متكبرٍ يرفع رأسه إلى السماء، وهو في حقيقة أمره لا يساوي شيئًا، تمامًا كما لو وضعت الذهب في حذاءٍ بالٍ؛ سيبقى الحذاء حذاءً، مهما زُخرف ومهما أُثقل بالكنوز.
المغرور لا يدرك أن العظمة لا تُكتسب من ثوبٍ فخمٍ ولا من لقبٍ طنان، بل من جوهرٍ صافٍ وعقلٍ ناضجٍ وقلبٍ كبير. قد يُخدع الناس ببهرج الكلام وطلاء الصور، ولكن الحقائق لا تُخدع، والجوهر لا يُزَيَّف. فمن كان صغير النفس، محدود الفكر، فارغ القلب، فمهما ارتقى في أعين الناس سيبقى في حقيقته وضيعًا، كقصرٍ مشيّد على رمالٍ هشة سرعان ما ينهار.
المتعالي لا يزيد كبرياؤه إلا كشفًا لضعفه، ولا يفضحه شيء كما يفضحه غروره، إذ يُعرّيه أمام الناس ويجعلهم يرون خواءه من كل فضيلة. أما صاحب القيمة الحقيقية، فتواضعه يزيده رفعة، وصمته يمنحه هيبة، وبساطته تعكس عمقًا لا تدركه الأبصار.
إن الذهب لا يرفع من قدر الحذاء، كما أن الألقاب لا ترفع من شأن الساقطين. وإنما تبقى القيمة في أصل الإنسان، في خلقه، في علمه، وفي أثره الطيب بين الناس. أما من باع نفسه للغرور وظن أنه بعلو صوته أو مظهره يخدع الأعين، فذلك كمن يزين قشرة فارغة، يلمع ظاهرها ويخلو باطنها.
فالإنسان يُقاس بمعدنه لا بمظهره، وبأفعاله لا بأقواله، وبقيمته الحقيقية لا بما يظن هو عن نفسه. وأي قيمة لكائنٍ يرى نفسه عظيمًا بينما يدوسه الناس في قلوبهم كما يُداس الحذاء في الطريق؟
