دكتور محمد الشافعي
حين يفاجئنا ما نصنعه بأيدينا
من أغرب ما قد يمر به الإنسان في حياته العملية أن يفاجأ بأمر صدر عنه هو نفسه، وكأنه ينظر إلى عمل شخص آخر لا إلى عمله هو. فمع كثرة المسؤوليات وتتابع الأيام وتشابه المهام، قد يجد المرء نفسه أحيانًا أمام موقف يثير الدهشة ويستدعي التأمل.
حدث معي أمر من هذا القبيل عندما سُئلت مؤخرًا عن شكل الامتحان، فاستحضرت في ذهني الصورة التقليدية التي اعتدت عليها عبر سنوات طويلة من التدريس؛ أسئلة صح وخطأ، ثم أكمل، ثم الأسئلة المقالية. هذا هو النسق الذي ألفته وأصبح جزءًا من الذاكرة المهنية المستقرة التي لا تحتاج إلى تفكير طويل.
غير أن المفاجأة كانت عندما اطلعت على الامتحان الذي أعددته بنفسي، فوجدت أن أسئلة الصح والخطأ قد اختفت تمامًا. والأعجب من ذلك أن الأمر لم يقتصر على مقرر واحد، بل تكرر في مقررين مختلفين. عندها وجدت نفسي أتساءل: متى اتخذت هذا القرار؟ ولماذا فعلت ذلك دون أن ألتفت إليه أو أتذكره؟
وربما كان السبب بسيطًا وعفويًا؛ فقد يكون العقل قد اتجه تلقائيًا إلى تخفيف العبء عن الطلاب، وتقليل التشتت الناتج عن التنقل بين أنماط متعددة من الأسئلة، فآثر التركيز على أنواع محددة تحقق الهدف العلمي بصورة أوضح. وقد يكون الأمر مجرد تطور طبيعي في أسلوب وضع الامتحانات، يحدث تدريجيًا حتى لا يلتفت إليه صاحبه إلا بعد وقوعه.
لكن الجانب الأكثر إثارة للدهشة لم يكن اختفاء أسئلة الصح والخطأ، وإنما رد الفعل الذي تبع ذلك. فقد أبدت إحدى الطالبات، وهي أقربهن إلى قلبي، وهي أميرة غانم، استياءً واضحًا من الأمر، وصرحت بأنها غاضبة لأنني كنت قد ذكرت سابقًا أن الامتحان سيتضمن هذا النوع من الأسئلة.
وهنا وقفت متأملًا. فالمنطق الظاهر يوحي بأن تقليل عدد الأنماط قد يكون أكثر راحة للطالب، فلماذا إذن هذا الغضب؟ هل لأن الطالب اعتاد خطة معينة في المذاكرة وبنى استعداداته عليها؟ أم لأن عنصر التوقع يمنح شعورًا بالاطمئنان، وأي تغيير مفاجئ يثير القلق مهما بدا في ظاهره إيجابيًا؟ أم أن الأمر يتعلق بطبيعة النفس البشرية التي ترتاح للمألوف أكثر مما ترتاح للجديد؟
لا أملك إجابة قاطعة حتى الآن. وربما يكشف الزمن أو الحوار الهادئ السبب الحقيقي وراء هذا الموقف. لكن ما أدركته أن عالم التعليم لا يقوم على الأسئلة والإجابات وحدها، بل يقوم أيضًا على فهم النفوس البشرية، وما يعتريها من توقعات ومشاعر وردود أفعال قد تبدو غامضة للوهلة الأولى.
ولعل أجمل ما في هذه المواقف أنها تذكرنا بأننا مهما ظننا أننا نعرف كل تفاصيل أعمالنا اليومية، فإن الحياة لا تزال قادرة على أن تفاجئنا، أحيانًا بأمور صنعناها نحن بأيدينا ثم وقفنا أمامها متسائلين: كيف حدث ذلك؟عنوان مقترح:
