2026-06-23

مولد سيدي كأس العالم

 

دكتور محمد الشافعي 

إذا أردت أن تعرف حجم قدرة الإعلام على تشكيل العقول، فانظر إلى كأس العالم. حدث رياضي لا يضيف إلى رصيد البشرية علماً، ولا يحل أزمة من أزماتها، ولا يداوي فقراً أو جهلاً أو مرضاً، ومع ذلك تتوقف أمامه الحياة عند ملايين البشر، وتتجه إليه الأبصار والقلوب والعقول وكأنه أعظم حدث عرفته الإنسانية. لقد نجح صناع هذه اللعبة في تحويل كرة من الجلد إلى معبود معنوي حديث، تلتف حوله الجماهير، وتشتعل من أجله الخصومات، وتُهدر في سبيله الأوقات والأموال والمشاعر، حتى بات كثير من الناس يعرفون أسماء اللاعبين أكثر مما يعرفون أسماء العلماء والمفكرين وأصحاب الإنجازات الحقيقية.

ولكل أمة مواسمها التي تحتشد فيها الجماهير، غير أن العالم المعاصر نجح في صناعة موسم يتجاوز الحدود واللغات والأديان والثقافات، حتى صار حدثاً يكاد يطغى على كثير من القضايا المصيرية التي تمس حياة الإنسان ومستقبله، ذلك هو كأس العالم.

لقد استطاعت الآلة الإعلامية الضخمة، عبر عقود طويلة، أن تجعل من كرة القدم الحدث الأهم في وجدان ملايين البشر، وأن تحول لعبة في أصلها وسيلة للترفيه والرياضة إلى صناعة عالمية هائلة تدور حولها الأموال والإعلانات والاستثمارات والمصالح. ولم يعد الأمر مقتصراً على مباراة تُلعب في ملعب، بل أصبح منظومة متكاملة تستحوذ على العقول والمشاعر والأوقات.

ولست من خصوم الرياضة، ولا ممن ينكرون فوائدها الجسدية والنفسية، لمن يمارسها، بل أرى فيها وسيلة راقية للمحافظة على الصحة وتنمية روح المنافسة الشريفة والترويح عن النفس. غير أن الاعتراض ينصب على ذلك التحول الذي جعل الإنسان يتخلى عن مكانته الفكرية والوجدانية ليذوب في كيان الجماهير، فيفرح فرحاً عارماً لهزيمة فريق وينهار حزناً لخسارته، وكأن مصيره الشخصي قد ارتبط ارتباطاً كاملاً بنتيجة مباراة أو هدف أحرزه لاعب لا يعرفه ولن يعرفه.

إن أكثر ما يثير التأمل في هذه الظاهرة هو ذلك المشهد الذي يتكرر مع كل بطولة كبرى؛ ملايين الساعات تُستهلك في المتابعة، وملايين العقول تنشغل بالتوقعات والتحليلات والمناقشات التي لا تغير من واقع الناس شيئاً. وتتحول الكرة الجلدية الصغيرة إلى محور اهتمام يتقدم عند كثيرين على شؤونهم العلمية والثقافية والاجتماعية، بل وعلى واجباتهم الدينية أحياناً.

إن القضية ليست في مباراة تُشاهد أو فريق يُشجع، وإنما في مقدار ما يسمح الإنسان لهذه الظواهر أن تستولي على وقته وعقله ومشاعره. فالإنسان خُلق ليكون صاحب رسالة وفكر وإرادة، لا مجرد رقم في حشد هائل يصفق لهذا الفريق أو ذاك. وكلما ازداد وعي المرء بقيمته الحقيقية، أدرك أن التوازن هو السبيل الأمثل؛ فيمارس الرياضة ويستمتع بالمشاهدة إن شاء، لكن دون أن يسمح لها بأن تصبح محور حياته أو مقياس سعادته وحزنه.

وما نشهده في بطولات العالم الموسعة اليوم يجسد هذه الحالة بوضوح؛ عشرات المنتخبات تتنافس، ومئات الملايين يتابعون حتى ساعات الفجر الأولى، ويعيدون ترتيب حياتهم اليومية وفق مواعيد المباريات. وليس مستغرباً أن ترى المقاهي مكتظة بالمتابعين في أوقات متأخرة من الليل، بينما تبدو أماكن أخرى أولى بالاهتمام أقل ازدحاماً وأضعف حضوراً.

إن الأمم لا تنهض بكثرة المشجعين، وإنما تنهض بكثرة العلماء والمفكرين والمبدعين وأصحاب الرسالات. أما الجماهير التي تستهلك أوقاتها في المتابعة وحدها، فإنها تمنح الآخرين أسباب القوة بينما تكتفي هي بالتصفيق من المدرجات.

ولعل أعظم ما يحتاجه الإنسان اليوم هو أن يستعيد قدرته على التمييز بين ما يُسليه وما يبني حياته، وبين ما يملأ وقته وما يضيف إلى قيمته. فليست المشكلة في الكرة، وإنما في أن تتحول الكرة إلى قضية، بينما تضيع القضايا الحقيقية في زحام الهتافات.