2026-05-26

حديثٌ مع مشجع


 

دكتور محمد الشافعي 

في زمنٍ تضخّمت فيه الأشياء الصغيرة حتى غدت تملأ العقول والأسماع، أصبحت كرة القدم عند كثير من الناس أكثر من مجرد لعبة، وتحولت من مساحة للترويح والترفيه إلى عالم كامل يستهلك الوقت والمشاعر والانتباه. وقد دار بيني وبين أحد أصدقائي حديث طويل حول هذه القضية، بعدما عاتبني على رؤيتي الناقدة لحالة الهوس الكروي، ورأى أنني متحامل وغير منصف، خاصة أنه منذ طفولته يشجع النادي الأهلي، ويرى أن التشجيع جزء من حياته لا يستطيع الانفصال عنه.

وقد أوضحت له أنني لا أهاجم التشجيع في حد ذاته، ولا أرفض أن يجد الإنسان لنفسه متنفسًا يخفف به أعباء الحياة وضغوطها، فالنفس تحتاج إلى شيء من التسلية المباحة، وكرة القدم في أصلها لعبة للمتعة والترفيه، ولا حرج في متابعتها أو تشجيع فريق معين ما دام الأمر قائمًا على الاعتدال والعقل.

لكن موضع الاعتراض الحقيقي يبدأ عندما تتجاوز اللعبة حدودها الطبيعية، فتتحول إلى محور تدور حوله حياة الإنسان ومشاعره وأحاديثه اليومية. حين يصبح الفوز سببًا لفرحٍ مبالغ فيه، والهزيمة مدعاة لضيقٍ واكتئابٍ وخصام، وحين تُستهلك الساعات الطويلة في متابعة أخبار اللاعبين والصفقات والتحليلات والبرامج الصاخبة التي لا تكاد تنتهي.

إن المؤلم في الأمر ليس مجرد التشجيع، بل تلك الحالة التي صنعتها المنظومة الإعلامية حول كرة القدم، حتى غدت حديث المجالس، وموضوع البرامج، وشغل الناس الشاغل صباحًا ومساءً. لقد تحولت اللعبة عند بعض الجماهير إلى ما يشبه الإدمان العاطفي والفكري، حتى أصبح كثير من الناس يعرف تفاصيل دقيقة عن لاعبين ومدربين وأندية، بينما يجهل في المقابل ما ينفعه في واقعه أو يطوّر من نفسه وعلمه وثقافته.

وكم يبدو الأمر مؤسفًا حين نجد إنسانًا يحفظ تاريخ البطولات ونتائج المباريات، لكنه لا يعرف شيئًا عن تاريخه الحقيقي أو قضايا مجتمعه أو حتى مستقبله الشخصي. وكم من طاقات ومشاعر تُهدر في جدالات وصراعات وانفعالات حول مباراة تنتهي اليوم لتبدأ غدًا أخرى، ثم تدور الدائرة بلا نهاية، وكأن الإنسان خُلق ليعيش أسير هذا الضجيج المتكرر.

إن الحكمة الحقيقية تكمن في الاعتدال؛ أن يستمتع الإنسان بما يحب دون أن يتحول إلى عبدٍ له. تابع المباريات إن شئت، وشجع النادي الذي تميل إليه، وافرح قليلًا أو احزن قليلًا، لكن لا تجعل الأمر يستنزف عمرك ووقتك وهدوءك النفسي، ولا تسمح له أن يطغى على رسالتك في الحياة أو أهدافك الحقيقية.

فالإنسان أسمى من أن تُختزل حياته في نتيجة مباراة، وأعمق من أن تُستهلك مشاعره كلها في صخب الملاعب وضجيج الجماهير. لقد خُلق الإنسان ليبني عقله، ويثري روحه، ويعمر حياته بالعلم والعمل والفكر والقيم، لا ليبقى أسير دائرة لا تنتهي من الانفعال المؤقت حول فوز فريق أو خسارته.

ولهذا فإن المشكلة ليست في كرة القدم نفسها، فهي في النهاية مجرد لعبة، وإنما في تضخيمها حتى أصبحت عند بعض الناس قضية وجود، تُستنزف فيها الأعمار والأموال والمشاعر، بينما تمضي الحياة الحقيقية بعيدًا عن كل هذا الصخب، في هدوءٍ لا ينتبه إليه أحد.