دكتور محمد الشافعي
الحياة ليست سلسلة متصلة من الجدية الصارمة، ولا طريقًا ممتدًا من الواجبات والمسؤوليات فحسب، بل هي أيضًا فسحات من البهجة، ولمحات من الطرافة، ومواقف عابرة تترك في النفس أثرًا من السرور قد يدوم أكثر مما تدوم الأحداث الكبيرة نفسها.
ولعل من الجميل أن لا تخلو علاقاتنا وتعليقاتنا اليومية من شيء من الدعابة الرقيقة والابتسامة الصادقة، فالكلمة الظريفة في موضعها قد تُدخل السرور إلى القلوب، وتكسر رتابة الأيام، وتمنح المواقف العادية طابعًا خاصًا لا يُنسى.
وقد حدث معي اليوم موقف من هذا القبيل. إذ صادفت منشورًا يسأل فيه أحد أبناء المنطقة عن اسم محل حلاقة قديم كان معروفًا ومشهورًا بين الناس. وبحكم معرفتي به، كتبت الاسم في تعليق عادي للغاية، لا يحمل أي معنى يتجاوز الإجابة المباشرة على السؤال.
لكن الطرافة الحقيقية جاءت من ابنتي الحبيبة أميرة غانم. فقد ظهر لها تعليقي، وهي التي لم تعرفني في حياتها إلا أصلع الرأس، إذ مضى على صلعي زمن ليس بالقصير. فما كان منها إلا أن التقطت صورة للمنشور وتعليقي، ثم أرسلتها مصحوبة بعبارة ساخرة لطيفة تقول فيها: "الرد من الشخص الصح جدًا".
وكان تعليقها كافيًا لأن يرسم ابتسامة واسعة على وجهي. فهي لم تفوت المفارقة الطريفة بين كوني أجيب عن سؤال يتعلق بمحلات الحلاقة، وبين حقيقة أنني لم أعد من زبائن الحلاقين منذ سنوات طويلة.
والحق أن هذا الموقف ليس غريبًا عليها، فهي تملك حسًا فكاهيًا حاضرًا، وذكاءً يلتقط التفاصيل التي قد تمر على غيرها مرورًا عاديًا. كما أنها لا تدع مناسبة تحمل طرفة أو مفارقة إلا وتضيف إليها تعليقًا خفيفًا يزيدها جمالًا.
إن خفة الظل نعمة كبيرة حين تقترن بالذوق، والمرح قيمة جميلة حين يمتزج بالاحترام، وأميرة تمتلك من ذلك نصيبًا وافرًا. فهي صاحبة روح مرحة، وقلب صافٍ، ومزاح راقٍ لا يجرح أحدًا، بل ينشر البهجة ويبعث على الابتسام.
وفي زمن تزداد فيه الضغوط وتتسارع فيه الهموم، تبقى هذه اللحظات الصغيرة من الدعابة الصادقة كنوزًا حقيقية، تذكرنا بأن السعادة كثيرًا ما تختبئ في موقف عابر، أو تعليق لطيف، أو ابتسامة يزرعها شخص نحبه في قلوبنا دون تكلف أو قصد.
فما أجمل أن يكون في حياتنا أشخاص يجيدون صناعة البهجة، ويملكون القدرة على تحويل المواقف العادية إلى ذكريات جميلة تظل عالقة في الذاكرة كلما تذكرناها ابتسمنا من جديد.
