2026-04-21

حين كان السؤال: ماذا قرأت

 


مهندس عاصم شاكر 

كان للزمن القديم إيقاعٌ مختلف، لا تُعكّره ضوضاء الإشعارات، ولا تبتلعه شاشاتٌ لا تشبع. في تلك الأيام التي سبقت سطوة الإنترنت والهواتف الذكية، كانت القراءة رفيقًا وفيًّا، يجالس الناس على اختلاف أعمارهم وثقافاتهم، فيمنحهم من صفائه ما يرقّي العقول ويهذّب الأرواح.

لم تكن القراءة آنذاك ترفًا، بل كانت جزءًا أصيلًا من نسيج الحياة اليومية. المجلات، الجرائد، الكتب الدورية عند باعة الصحف، كانت جميعها منابع معرفة تُرتاد بشغف. وكان للبيت نصيبٌ وافر من هذا الوهج؛ إذ كان والدي – رحمه الله – يجمع ما تصل إليه يداه من تلك الإصدارات، ويكدّسها في المنزل، لا لتُهمل، بل لتكون زادًا لنا، نقرأ ونتعلم ونرتقي.


فنشأنا ونحن على صلة وثيقة بمطبوعات راقية كـ“المنهل” و“العربي”، وارتبطنا بسلسلة “عالم المعرفة”، نترقب صدورها كما يُترقّب العطشان مورد الماء. لم نكن نملّ القراءة، بل كانت متعتنا الخالصة، ومجال تنافسنا وتفاخرنا.


ومنذ المرحلة الإعدادية، أخذت علاقتنا بالكتاب بُعدًا أعمق؛ فتبادلنا الكتب، ولا سيما مؤلفات أنيس منصور ومصطفى محمود، نتداولها كما تُتداول الكنوز، ننهل منها، ونتحاور حولها. وكان هناك سؤالٌ يتردد في مجالسنا، كأنه ميزان الوعي: ماذا قرأت مؤخرًا؟ وما آخر كتابٍ فرغت منه؟

لم يكن سؤالًا عابرًا، بل كان بابًا نتبادل عبره المعارف، ونبني عقولنا بناءً متدرجًا راسخًا.


غير أن هذا السؤال، لو طُرح اليوم، لأضحى في كثير من الأحيان مثار سخرية. لا لشيءٍ إلا لأن مكانة القراءة قد تراجعت تراجعًا ملحوظًا في زمنٍ هيمنت فيه السرعة على حساب العمق، والسطحية على حساب التمحيص.


وفي هذا السياق، برزت أدوات حديثة، وعلى رأسها “شات جي بي تي”، التي يلوذ بها كثيرون طلبًا للإجابة السريعة. غير أن المشكلة لا تكمن في الأداة ذاتها، بل في طريقة التعامل معها؛ إذ إن الاعتماد المطلق عليها دون بحثٍ جاد أو مراجعةٍ واعية قد يوقع في مساراتٍ من الجهل المقنّع، ويُغري بالاكتفاء بالمعلومة الجاهزة، ولو كانت مبتورة أو غير دقيقة. وهنا يكمن الخطر: أن يظن المرء أنه قد عَلِم، وهو في الحقيقة لم يبذل جهد الفهم ولا مشقة التحقق.


لقد نشأ جيلٌ لا يقرأ كما ينبغي، بل ولا يكلّف نفسه عناء مراجعة ما يُقدَّم له عبر هذه الوسائط. جيلٌ لم يعش مع الكتاب، ولم يتذوق لذة البحث، ولا عناء الوصول إلى المعلومة، فغابت عنه قيمة الكتاب، لأنه ببساطة لم يكن يومًا جزءًا من حياته.


وهنا تتجلى الفجوة بين زمنين: زمنٍ كانت المعرفة فيه رحلة، وزمنٍ صارت فيه ومضة عابرة. بين من كان يسأل ليزداد، ومن يكتفي بما يُلقى إليه دون مساءلة.

إن استعادة مكانة القراءة ليست حنينًا أجوف، بل ضرورة حقيقية. فالعقل الذي لا يقرأ، ولا يتحقق، ولا يناقش، يظل هشًّا، عرضةً لكل ما يُلقى إليه.

ولعلنا أحوج ما نكون اليوم إلى إحياء ذلك السؤال القديم، بكل ما يحمله من عمق: ماذا قرأت مؤخرًا؟

فهو ليس سؤالًا عن كتاب فحسب، بل عن وعيٍ يُبنى، وعقلٍ يُصان من السطحية والاغترار. وحتى لا يصبح لدينا نماذج اخري من الجحشان. 

2026-04-20

وجع



 

مهندس عاصم شاكر 

...........

حين يأتي الأذى من حيث أُحسن الظن وحين ينقلب الإحسان وجعًا

..........

ليست كل الجراح سواء؛ فثمة جراح تمرّ على القلب مرور العابر، لا تترك إلا أثرًا عابرًا، وثمة أخرى تغوص في الأعماق حتى تُوجِع الروح قبل الجسد. ومن أشدّها وقعًا وأقساها أثرًا، تلك التي تأتي من قريبٍ أُعطي الثقة، ومن يدٍ امتدّت يومًا بالعطاء فامتدّت اليوم بالأذى. وكأن الحكمة الشعبية حين قالت: “الرفسة مبتجيش إلا من العجل اللي دلعته”، لم تكن مجرد عبارة دارجة، بل خلاصة تجربة إنسانية تتكرر في صور شتى.

إن الإنسان بطبعه يميل إلى الإحسان لمن حوله، ويغدق من وقته ومشاعره وجهده على من يراهم أهلًا للقرب. يفتح لهم أبواب قلبه دون حذر، ويمنحهم من صدقه ما لا يمنحه للغريب. لكنه، في لحظة غير متوقعة، قد يكتشف أن هذا القرب نفسه هو موطن الخطر، وأن الأذى لا يحتاج إلى مسافة ليبلغ غايته، بل يكفيه أن يكون صادرًا ممن عرف الطريق إلى الداخل.

والطعنة التي تأتي من بعيد يمكن احتمالها؛ لأنها متوقعة في عالم تتنازع فيه المصالح وتختلف فيه الطبائع. أما الطعنة التي تأتي من قريب، فهي خيانة للثقة قبل أن تكون أذى للفعل، وهي انكسار لصورةٍ رسمها الإنسان في داخله عن الوفاء والود. لذلك يكون ألمها مضاعفًا؛ لأنها تهدم ما بُني على مهل، وتبدد ما استقر في النفس من يقين.

غير أن الحكمة لا تدعونا إلى القسوة أو الانغلاق، بل إلى التوازن. فليس الحل أن نغلق أبوابنا في وجه الجميع، ولا أن نمنحها بلا ضابط لكل أحد. إنما الرشد كل الرشد في أن نُحسن دون إفراط، ونثق دون سذاجة، ونُدرك أن القرب مسؤولية مشتركة، لا امتيازًا مطلقًا.

وفي نهاية الأمر، تبقى هذه التجارب، على قسوتها، معلمًا صامتًا يعيد ترتيب الأشياء في داخلنا. تعلّمنا أن نُبقي مساحة آمنة لأنفسنا، وأن نمنح القرب بوعي، وأن نُدرك أن بعض الخيبات، وإن آلمت، فإنها تُنضج الروح وتُبصرها بما لم تكن تراه من قبل.