دكتور محمد الشافعي
من حق الإنسان أن يسعى إلى حياة كريمة، وأن يجد في مجتمعه ما يعينه على مواجهة أعباء الأيام، لا ما يزيدها ثقلاً فوق كتفيه. غير أن كثيرًا من الناس باتوا يشعرون بأن تفاصيل الحياة اليومية أصبحت أكثر تعقيدًا وكلفة، حتى غدا إنجاز أبسط المعاملات يحتاج إلى جهد ووقت ونفقات لم تكن مألوفة من قبل.
لقد أصبحت خدمات وإجراءات عديدة، كانت تُنجز برسوم رمزية أو بتكاليف محدودة، تتطلب اليوم مبالغ قد تثقل كاهل أصحاب الدخول المحدودة. واستخراج بعض الأوراق الرسمية، واعتماد المستندات، وتركيب المرافق، وسداد بعض الرسوم والفواتير، كلها أمور يرى كثيرون أن تكلفتها ارتفعت بصورة ملحوظة، حتى بات المواطن يشعر أن كل خطوة في حياته لها ثمن يزداد عامًا بعد عام.
ولا يقف الأمر عند حدود الرسوم والخدمات، بل يمتد إلى التعاملات اليومية بين الناس. ففي الأسواق ترتفع أسعار كثير من السلع، وأحيانًا دون مبررات واضحة للمستهلك، وفي بعض وسائل النقل ترتفع الأجرة بما يتجاوز ما يراه الراكب متناسبًا مع المسافة أو مع مستوى دخول غالبية المواطنين. وهكذا يجد الإنسان نفسه محاصرًا بسلسلة متصلة من النفقات التي لا تكاد تنتهي.
إن المجتمع القوي لا يُقاس بقدرة القادرين على التكيف مع الغلاء، وإنما يُقاس بمدى رعايته للضعفاء، وبحرصه على ألا تتحول الحياة إلى سباق لا ينجو فيه إلا أصحاب المال. فالفقير ليس عبئًا على المجتمع، بل هو مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وحماية محدودي الدخل ليست منحة، وإنما هي أحد مقومات الاستقرار والعدالة.
كما أن التاجر المنصف، ومقدم الخدمة الأمين، والموظف الذي ييسر مصالح الناس، جميعهم شركاء في بناء مجتمع متماسك. فالربح حق مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى استغلال، والسعي وراء المكسب لا يجوز أن يكون على حساب معاناة الآخرين أو احتياجاتهم الأساسية.
إن الحياة بطبيعتها مليئة بالتحديات، لكن ما يزيدها قسوة هو أن يشعر الإنسان بأن كل الأبواب تُفتح مقابل كلفة أكبر، وأن كل خدمة أصبحت عبئًا جديدًا على دخله المحدود. وحين تتراكم هذه الأعباء، لا يثقل الحمل جيب المواطن فحسب، بل يمتد أثره إلى نفسيته، وأسرته، ونظرته إلى المستقبل.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تسود قيم الرحمة والعدل والإنصاف، وأن تُراعى أحوال أصحاب الدخول المحدودة عند تصميم الرسوم والخدمات، وأن يلتزم الجميع، أفرادًا ومؤسسات، بروح المسؤولية الاجتماعية. فالمجتمع الذي يخفف عن الضعيف، وييسر على المحتاج، هو مجتمع يرسخ تماسكه ويصون كرامة أبنائه، لأن قوة الأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تمنحه للإنسان من رحمة وعدالة.


