دكتور محمد الشافعي
دخل الأب الشاب إلى المسجد بصحبة ابنيه لأداء صلاة الجمعة، وكان مشهدًا يبعث على الارتياح؛ فأن ترى أبًا يصطحب أبناءه إلى بيت الله، فذلك في ذاته مشهد يستحق التقدير. لكن شيئًا آخر لفت انتباهي، بل استوقفني طويلًا.
كان الولدان يرتديان القميص نفسه، باللون الأحمر، يحمل الاسم نفسه والرقم نفسه، في إشارة إلى أحد لاعبي النادي الأهلي ومنتخب مصر، وهو لاعب ارتبط اسمه بعدد من الوقائع المثيرة للجدل.
ولم يكن الأمر مجرد تشابه في الملابس، بل رسالة تربوية صامتة، قد لا ينتبه إليها كثيرون، لكنها تثير سؤالًا بالغ الأهمية: ماذا أراد هذا الأب أن يغرس في عقل ابنيه؟ وما القيمة التي أراد أن يربطهما بها؟
لا أتحدث هنا عن كرة القدم باعتبارها رياضة، فهي نشاط راقٍ إذا بقيت في حدودها الطبيعية، ولا أتحدث عن تشجيع نادٍ من الأندية، فذلك من قبيل الميول الشخصية. وإنما أتحدث عن صناعة القدوة، وعن اختيار النموذج الذي نزرعه في وجدان أطفالنا منذ سنواتهم الأولى.
فالطفل لا يختار قدوته بنفسه، وإنما يتلقاها من أبيه وأمه، ثم يأتي الإعلام ليُضخم هذه الصورة، حتى يصبح المشهور هو المثل الأعلى، لا لأنه أكثر علمًا، ولا لأنه أكثر خلقًا، ولا لأنه أكثر نفعًا للناس، وإنما لأنه الأكثر ظهورًا على الشاشات، والأكثر تداولًا على مواقع التواصل، والأكثر حديثًا في البرامج الرياضية.
وأخذتني هذه الخواطر حتى وجدت نفسي قد غبت عن معظم خطبة الجمعة، لا لأنني كنت منشغلًا بالمشهد فحسب، بل لأن الخطيب – مع الأسف – لم يستطع أن يجذب انتباه المصلين بعلم راسخ أو خطاب مترابط. كان حديثه ينتقل من قصة إلى أخرى، ومن فكرة إلى غيرها، دون بناء فكري واضح أو استشهاد منضبط يربط النصوص الشرعية بواقع الناس.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول إن هذا لا ينطبق على جميع الخطباء؛ فما زالت منابرنا تعرف علماء أجلاء، إذا تحدثوا أنصتت لهم القلوب قبل الآذان، وإذا استشهدوا بآية أو حديث جاء الاستشهاد في موضعه، وإذا عالجوا قضية أحسنوا عرضها وربطها بواقع المجتمع، فخرج الناس من المسجد وقد ازدادوا علمًا وإيمانًا وفهمًا.
ثم عدت مرة أخرى إلى الطفلين.
قلت في نفسي: لو أن الأب أهدى ولديه كتابًا عن أحد علماء الأمة، أو حدثهما عن طبيب أنقذ آلاف المرضى، أو مهندس شيد المشروعات، أو معلم أفنى عمره في تربية الأجيال، أو داعية جمع بين العلم والحكمة، ألن يكون لذلك أثر أعمق وأبقى؟
لقد نجح الإعلام نجاحًا كبيرًا في صناعة النجوم، لكنه – في المقابل – أسهم في تراجع حضور أصحاب الرسالة الحقيقية في وجدان الناس. فأصبح الطفل يعرف أسماء اللاعبين والمشاهير قبل أن يعرف أسماء العلماء والمفكرين والمبدعين، وصار كثير من الآباء – من حيث يشعرون أو لا يشعرون – يرسخون هذا الاختلال في سلم القيم.
ولست ألوم ذلك الأب بعينه، فهو في الغالب فعل ما يفعله ملايين الآباء الذين تأثروا بالمناخ الإعلامي السائد، حتى أصبحوا يظنون أن الشهرة وحدها كافية لأن تجعل صاحبها قدوة.
إن القضية ليست قميصًا يحمل اسم لاعب، ولا رقمًا مطبوعًا على ظهره، وإنما القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها سؤال حضاري يتردد في كل بيت: من الذي يربي أبناءنا؟ هل يربيهم البيت، أم المدرسة، أم المسجد، أم وسائل الإعلام التي تقتحم العقول ليلًا ونهارًا؟
إن الأمم لا تنهض حين يحفظ أطفالها أسماء المشاهير، وإنما تنهض حين يعرفون قيمة العلم، ويحترمون المعلم، ويجلّون العالم، ويوقنون أن الإنسان لا تُقاس منزلته بما يملكه من مال أو بما يحظى به من تصفيق، وإنما بما يقدمه من علم، وما يتركه من أثر، وما يغرسه في الناس من خير.
فإذا أردنا مستقبلًا مختلفًا، فلنبدأ من السؤال الذي قد يبدو بسيطًا، وهو في الحقيقة من أخطر الأسئلة: من هو الإنسان الذي نريد لأبنائنا أن يشبهوه؟ فمن جواب هذا السؤال تبدأ صناعة الأجيال، وبجوابه يتحدد مستقبل الأمم.
