2026-08-04

مجرد لعبة



 

د. محمد الشافعي

حين تتحول الكرة إلى قضية وطن

لا أجد ما يدعو إلى الدهشة في لعبة كرة القدم، فهي في النهاية لعبة؛ تربح فيها اليوم، وقد تخسر غدًا. لكن ما يدعو إلى الدهشة حقًا هو تلك المنزلة التي أُسبغت على بعض لاعبيها، حتى أصبح الواحد منهم يتحدث وكأنه يحمل على كتفيه هموم الوطن، أو يؤدي رسالة لا تقل شأنًا عن رسالة العلماء والمفكرين.

لقد نجح الإعلام في صناعة بطل من نوع جديد؛ بطل لا يُقاس بما يضيفه إلى المعرفة، ولا بما يقدمه للإنسان، وإنما بعدد الأهداف التي يسجلها، وعدد الجماهير التي تهتف باسمه، وعدد الملايين التي يتابع بها الناس أخباره.

ثم يخرج بعض هؤلاء اللاعبين في لقاءات إعلامية، فيحدثون الناس عن الضغوط الهائلة التي يعيشونها، وعن المعاناة اليومية التي يكابدونها، وعن التضحيات التي قدموها من أجل كرة القدم، حتى يخيل إلى المستمع أنهم عاشوا سنوات في ساحات الحروب، أو أفنوا أعمارهم في المختبرات، أو قضوا الليالي في غرف العمليات ينقذون أرواح البشر.

فأي ضغوط هذه التي يتحدثون عنها، وهل أصبحت الملايين التي تُودع في الحسابات البنكية عبئًا لا يحتمل؟

وهل صار السفر على الدرجة الأولى، والإقامة في أفخم الفنادق، وركوب أحدث السيارات، والعيش في رفاهية يحلم بها ملايين الناس، صورة من صور الشقاء التي تستحق كل هذا الرثاء؟

إن العامل الذي يخرج قبل شروق الشمس ليعود بعد غروبها، لا يجد من يستمع إلى شكواه.

والمزارع الذي يقف ساعات تحت لهيب الشمس، لا تفتح له الشاشات أبوابها. والمعلم الذي يستهلك عمره في بناء العقول، لا يلاحقه الصحفيون ليسألوه عن فلسفة النجاح. والطبيب الذي يقضي الليل بين المرضى، لا تتوقف البرامج لتحلل تعبيرات وجهه بعد انتهاء يوم عمله.

أما لاعب الكرة، فإن إصابة في مباراة، أو خسارة بطولة، تتحول إلى قضية رأي عام، وتُفرد لها الساعات، وتُستضاف من أجلها عشرات الوجوه، وكأن الوطن لم يعد يملك قضية أهم منها.

لقد بلغ التضخيم حدًا جعل بعض اللاعبين يظنون أنهم فوق النقد، وأن مجرد ارتدائهم قميص نادٍ كبير أو منتخب وطني يمنحهم مكانة استثنائية، وأن الجماهير مدينة لهم بالشكر الدائم، مع أن العلاقة في حقيقتها علاقة احتراف، يتقاضى فيها اللاعب أجورًا خيالية مقابل أداء عمله.

ولست أدري كيف أقنع الإعلام الناس بأن لاعبًا يركل كرة تسعين دقيقة يمكن أن يصبح رمزًا وطنيًا، بينما يظل العالم، والباحث، والمخترع، والمعلم، والطبيب، خارج دائرة الضوء، رغم أن أثر أحدهم في مستقبل وطن قد يفوق أثر آلاف المباريات.

لقد انقلب سلم الأولويات. وأصبح الطفل يحفظ أسماء اللاعبين أكثر مما يحفظ أسماء العلماء. ويعرف أرقام قمصانهم أكثر مما يعرف أسماء الكتب. ويتابع أخبار انتقالاتهم أكثر مما يتابع أخبار الاكتشافات والإنجازات العلمية. وهكذا تُصنع الأجيال على تقديس الشهرة، لا على احترام المعرفة.

إنني لا أنتقد كرة القدم، فهي لعبة لها جمهورها، ولها مكانها الطبيعي في حياة الناس.

لكنني أنتقد ذلك التضخم الذي جعلها تكاد تتحول إلى دين شعبي جديد، وجعل بعض لاعبيها يتصورون أنهم محور الكون، وأن المجتمع مدين لهم بالامتنان، لمجرد أنهم أحسنوا ركل كرة داخل مستطيل أخضر.

إن الأمم لا تُقاس بعدد بطولاتها الرياضية، وإنما بعدد علمائها، ومخترعيها، ومفكريها، وباحثيها، ومبدعيها الحقيقيين.

أما الكرة، فستظل لعبة... مهما حاول البعض أن يجعل منها مشروعًا حضاريًا، أو يجعل من لاعبيها أنبياء للعصر، أو أوصياء على عقول الناس.