دكتور محمد الشافعي
ليست كل الأوصاف سواء، فهناك أوصافٌ تمر على السمع مرورًا عابرًا، وهناك أوصافٌ تتوقف عندها النفوس طويلًا لما تحمله من عمقٍ وجلال. ومن أسمى هذه الأوصاف وأرقاها أن يُقال عن شخصٍ ما: "إنه إنسان".
وما أعظمها من كلمة، وما أوسعها من معنى. فهي ليست مجرد وصفٍ لكائنٍ ينتمي إلى الجنس البشري، بل شهادة أخلاقية وإنسانية رفيعة، تختزل في حروفها منظومة كاملة من القيم النبيلة والمشاعر الراقية والمواقف المشرّفة. إنها كلمة تحتاج إلى شروحٍ وشروح، لأنها تشير إلى إنسانٍ تجسدت فيه معاني الرحمة والصدق والضمير والوفاء، حتى غدا حضوره مصدر راحةٍ لمن حوله، وأصبحت أفعاله ترجمة حقيقية لمعنى الإنسانية.
فالإنسان بحق هو ذلك الشخص الذي يملك من الرقي ما يجعله حافظًا للغير، حريصًا على مصالحهم، ساعيًا إلى خيرهم، لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا. يساعد بقدر ما يستطيع، فإن عجز عن المساعدة بالفعل لم يبخل بالكلمة الطيبة أو بالنصيحة الصادقة أو بالمواساة التي تخفف وطأة الألم عن القلوب.
والإنسانية في جوهرها تعاطف ورحمة. هي القدرة على الشعور بآلام الآخرين وكأنها جزء من آلامنا، والقدرة على مشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم بصدقٍ وإخلاص. فالقلوب الرحيمة لا تنظر إلى معاناة الآخرين بوصفها شأنًا يخصهم وحدهم، بل تراها مسؤولية أخلاقية تستدعي المساندة والعون والاحتواء.
ومن معاني الإنسانية كذلك الوعي الحي والضمير اليقظ. فالإنسان النبيل هو من يميز بين الخير والشر، ويملك الشجاعة الكافية لمراجعة نفسه والاعتراف بأخطائه وتصحيحها. إنه لا يبحث عن المبررات بقدر ما يبحث عن الحقيقة، ولا يرى في الاعتذار انتقاصًا من قدره، بل دليلًا على نبل أخلاقه وسمو نفسه.
كما تتجلى الإنسانية في التسامح وقبول الآخر، إذ يدرك الإنسان الحقيقي أن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأن التنوع الفكري والثقافي والإنساني لا ينبغي أن يكون سببًا للتنافر أو الكراهية، بل بابًا للفهم والتعايش والاحترام المتبادل. فهو يتعامل مع الناس جميعًا من منطلق الكرامة الإنسانية المشتركة، لا من منطلق الأحكام المسبقة أو التصنيفات الضيقة.
وحين يقال في مجتمعاتنا: "هذا إنسان بروح نقية"، أو "هذا موقف ينبض بالإنسانية"، فإن المقصود بذلك شخص انتصر للقيمة البشرية فوق كل اعتبار آخر. شخص قدّم الإنسان على المصلحة، والرحمة على المنفعة، والواجب الأخلاقي على المكاسب العابرة. إنه الإنسان الذي يسمو فوق الأنانية والجشع، ويجعل مشاعر الآخرين وحقوقهم في مقدمة أولوياته.
والإنسانية الحقة لا تنفصل عن الأصالة والصدق. فهي تظهر في نقاء المشاعر، وفي اللطف الذي لا تصنع فيه، وفي الصدق الذي يخلو من الزيف، وفي المعاملة التي تقوم على الاحترام والتقدير بعيدًا عن القسوة أو التعالي أو الخداع. فالنفوس النبيلة لا تحتاج إلى أقنعة، لأن جمالها الحقيقي ينبع من داخلها.
كما أن الإنسانية تحمل في طياتها شعورًا عميقًا بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع. فالإنسان الحق لا يقف متفرجًا أمام الظلم أو المعاناة، بل يشعر بواجبٍ يدفعه إلى نصرة الضعيف، وإغاثة الملهوف، ومساندة المحتاج، والدفاع عن الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
غير أن الإنسانية ليست شعارات تُرفع في المناسبات، ولا كلماتٍ جميلة تُقال في المجالس، وإنما هي ممارسة يومية تتجلى في أبسط التفاصيل وأدق المواقف. تظهر في كلمة طيبة تجبر خاطرًا منكسرًا، وفي ابتسامة صادقة تمنح الأمل لقلبٍ مثقل، وفي احترام كرامة عامل بسيط، وفي مراعاة مشاعر شخص يمر بظرفٍ قاسٍ، وفي تقديم المصلحة العامة والعدالة على الرغبات الشخصية المؤقتة.
إن الإنسانية هي ذلك النور الذي يضيء الروح، وذلك السمو الذي يجعل الإنسان يرتفع فوق نزعات القسوة والأنانية، ليصبح مصدرًا للأمان والسكينة لمن حوله. وهي المقياس الحقيقي لقيمة الإنسان، فليس أعظم من علمٍ أو مالٍ أو منصبٍ إذا خلا من الإنسانية، وليس أجمل من قلبٍ امتلأ رحمةً وصدقًا وعطاءً.
وفي النهاية، يبقى الوصف الأجمل والأكثر نبلاً أن يُقال عن المرء بعد رحلة عمره الطويلة: كان إنسانًا بحق، فترك في القلوب أثرًا طيبًا، وفي النفوس ذكرى جميلة، وفي الحياة معاني لا تموت.
