2026-04-06

ستر الخواطر

 


مهندس عاصم شاكر 

من سار بين الناس جابرًا للخواطر أنقذه الله من جوف المخاطر؛ فهذه ليست مجرد عبارة عابرة تُقال في مجالس الوعظ، بل هي قانون إنساني عميق يحكم حركة الحياة ويُعيد ترتيب موازين القلوب قبل موازين المصالح. فالحياة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تُدار بالمنطق البارد فقط، وإنما تستقيم بجبر الخواطر، لأن القلوب إذا انكسرت ضاعت إنسانية الإنسان، وإذا جُبرت استعاد المجتمع توازنه وأمانه.

جبر الخواطر هو أرقى صور الرحمة التي يمكن أن يمارسها الإنسان دون أن يدفع ثمنًا ماديًا، وهو أعظم استثمار أخلاقي يملكه المرء في رصيده الإنساني. كلمة طيبة تُقال في وقت الانكسار، وابتسامة تُرسم على وجه مهموم، ويد تمتد لتخفف عن متألم، كلها أعمال صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، لأنها تُرمم ما لا تستطيع الأموال ولا المناصب ترميمه. فالخواطر المكسورة لا يداويها إلا قلب رحيم، ولا يجبرها إلا إنسان يعرف أن الدنيا تدور وأن الأيام دول.

ولعل سر النجاة في جبر الخواطر أن الله جعل الرحمة بين عباده طريقًا لرحمته بهم، فمن خفف عن الناس خفف الله عنه، ومن ستر ضعفهم ستر الله عثرته، ومن جبر كسرهم جبر الله كسره في ساعة لا يجد فيها سندًا ولا معينًا. فالمخاطر التي تهدد الإنسان في حياته ليست كلها حوادث مادية أو أزمات ظاهرة، بل إن أخطرها ما لا يُرى: قلق مفاجئ، ضيق مفجع، ضياع طريق، أو موقف قاسٍ لا يجد فيه الإنسان من يقف بجانبه. وهنا تتجلى رحمة الله فيمن كانوا يجبرون خواطر الناس، فيجدون لطف الله يحيط بهم من حيث لا يحتسبون.

إن جبر الخواطر ليس ضعفًا كما يظنه البعض، وليس تنازلًا عن الكرامة، بل هو قوة أخلاقية راقية تعكس نُبل صاحبها وسمو إنسانيته. فالإنسان الذي يجبر الخواطر يملك قلبًا واسعًا وعقلاً ناضجًا ونفسًا تعرف أن العظمة الحقيقية ليست في أن تكون قويًا على الناس، بل في أن تكون رحيمًا بهم. فالقلوب تُفتح بالمحبة، والنفوس تُستمال بالرحمة، والمجتمعات تستقر حين يسود فيها خلق الجبر والاحتواء.

وفي زمن ازدادت فيه القسوة، وتسارعت فيه المصالح، وضاقت فيه النفوس، صار جبر الخواطر عبادة إنسانية عظيمة تُعيد للناس شعور الأمان، وتُحيي فيهم معنى التراحم الذي كاد أن يختفي. فكم من كلمة قاسية كسرت إنسانًا، وكم من موقف بسيط أعاد له الحياة، وكم من جبر خاطر غيّر مصير إنسان من اليأس إلى الأمل.

إن من يسير في طريق جبر الخواطر يسير في طريق النجاة، لأنه يحمل في قلبه رحمة، والرحمة إذا سكنت قلبًا جعلته في معية الله، ومن كان الله معه فلا يخشى المخاطر مهما اشتدت ولا الأزمات مهما تعاظمت. فاجعل جبر الخواطر منهج حياة، لا موقفًا عابرًا، وازرع الطمأنينة في قلوب الناس، فإنك لا تدري أي خاطر تجبره اليوم يكون سببًا في أن يُنجيك الله غدًا من خطر لم تره عيناك ولم يخطر على بالك.

 وختاما، جبر الخواطر ليس خلقًا اجتماعيًا فقط، بل هو طريق نجاة، وميزان إنسانية، ورسالة رحمة، ومن سار به بين الناس حفظه الله من جوف المخاطر.

2026-04-05

يوم صعب

 

دكتور محمد الشافعي 

كان صباحًا ثقيلًا منذ لحظته الأولى. لم يبدأ اليوم بهدوءٍ معتاد، بل بدأ بخبرٍ أربك القلب وأقلق الروح؛ اتصالٌ يحمل عبارة قصيرة، لكنها كفيلة بأن تزلزل الطمأنينة: تعالوا فورًا… حفيدكم أُصيب في المدرسة، وفي وجهه كدمات وسحجات.

في تلك اللحظة، لم يكن هناك وقتٌ للتفكير، بل كان هناك اندفاعٌ فوري نحو المدرسة، وقلبٌ يسبق الخطى، وعقلٌ مثقلٌ بأسئلةٍ لا تنتهي: ماذا حدث؟ كيف أُصيب؟ هل حالته خطيرة؟ ولماذا كان الطفل وحده في مدرسةٍ لا يبدو أنها تهتم إلا بما تتقاضاه من رسوم؟

وصلنا إلى المدرسة مسرعين، نحمل قلقنا بين أيدينا، ونبحث عن بابٍ يفتح لنا الطريق إلى الطفل لنطمئن عليه. لكن المفاجأة كانت أقسى من الخبر نفسه؛ مُنعنا من الدخول. وقفت المعلمة عند البوابة تردد ببرودٍ إداري: ممنوع دخول الأهالي إلى داخل المدرسة.

كيف يُمنع أهل طفلٍ مصاب من رؤيته؟ وكيف يُطلب منا أن نطمئن ونحن لا نراه؟ وكيف يُفرض علينا أن نصدق أن الأمور تحت السيطرة دون أن نتحقق من سلامته؟

كان المشهد صادمًا؛ مدرسةٌ تُصنَّف على أنها دولية، لكنها تتصرف بمنطقٍ إداريٍ جامد، وكأن السمعة أهم من الإنسان، وكأن الإجراءات أهم من الطفل المصاب. بدا الخوف واضحًا في تصرفاتهم، خوفًا من المساءلة، لكنه خوفٌ أعمى، لا يدرك أن منع الأهل من رؤية طفلهم يزيد الأمر سوءًا، ويعمّق الشك بدل أن يبدد القلق.

لم يُسمح لنا بالدخول، ولم يُسمح لنا حتى بالانتظار، وكأن المدرسة أرادت أن تُغلق الصفحة سريعًا، وتُنهي المشهد قبل أن يبدأ. لم يكن أمامنا إلا أن نعود وننتظر وصول الطفل إلى المنزل، انتظارًا طويلًا ثقيلًا، كل دقيقةٍ فيه تمر وكأنها ساعة.


وأخيرًا وصل يوسف.

كان المشهد مؤلمًا؛ وجهٌ يحمل آثار الكدمات، وسحجاتٌ واضحة قرب العين اليمنى، وإرهاقٌ ظاهر في ملامحه الصغيرة. لم يكن مجرد خدشٍ عابر، بل إصابة تستدعي القلق والتدخل السريع.

على الفور تم الاتصال بالطبيب، فجاء مسرعًا، وأجرى كشفًا دقيقًا، ثم قال بلهجةٍ حاسمة: هناك ارتجاج، ويجب الراحة التامة، وإجراء أشعة مقطعية للاطمئنان.

لم نتردد لحظة، وتوجهنا مباشرة إلى مستشفى ابن سينا، بحثًا عن تشخيصٍ دقيق ومتابعةٍ مطمئنة. أعيد الكشف مرةً أخرى، وجاءت الطبيبة بالتشخيص نفسه، مع توصيةٍ واضحة: وضع الطفل تحت الملاحظة لمدة أربعٍ وعشرين ساعة، وإجراء الأشعة اللازمة للتأكد من سلامته التامة.

هكذا انتهى اليوم، لكنه لم يكن يومًا عاديًا. كان يومًا كشف الكثير؛ كشف هشاشة بعض الإدارات التعليمية، وضعف التعامل مع الأزمات، وغياب الحس الإنساني في مواقف تحتاج إلى الرحمة قبل اللوائح، وإلى المسؤولية قبل السمعة.

ولا يمكن أن يُنسى في هذا المشهد أن المعلمة التي منعت الدخول ادّعت لاحقًا أنني رفضت استلام الطفل، وهو ادعاءٌ يثير الدهشة، ويكشف حجم الارتباك الإداري داخل المدرسة، ومحاولة الهروب من تحمل المسؤولية.

لقد كان يومًا صعبًا بالفعل، يومًا تعلمنا فيه أن الاطمئنان على الأطفال ليس رفاهية، وأن المؤسسات التعليمية الحقيقية تُقاس بإنسانيتها قبل أي شيء، وأن سمعة المدرسة لا تُحفظ بالمنع والتجاهل، بل تُحفظ بالصدق والشفافية وتحمل المسؤولية.

ويبقى الأمل الآن أن يتعافى يوسف سريعًا، وأن تمر هذه التجربة بسلام، وأن يدرك الجميع أن الطفل ليس رقمًا في سجل مدرسة، بل روحٌ صغيرة تستحق الحماية والرعاية والاهتمام.