دكتور محمد الشافعي
قالت لي صلعتي ذات مساء، وقد بدا عليها شيء من العتاب:
ـ ما بالُك لا تكفّ عن السخرية من الصلع وأصحابه، وأنت واحد منهم؟ ألا تخجل من أن تجعلني مادةً للتندر، ثم تتصرف وكأنك لست معنيًّا بالأمر؟
قلت لها مبتسمًا:
ـ وأين المشكلة؟ هل تريدين مني أن أجاملك لمجرد أنك تسكنين رأسي؟ ثم إنني لا أرى في الصلع عيبًا يستوجب كل هذا الدفاع، فلماذا لا نضحك قليلًا؟
قالت في شيء من الغضب:
ـ أنت لا تضحك قليلًا، بل تكاد تنصب محكمة لكل أصلع تقابله، وتنهال عليه بالتعليقات، وكأنك صاحب شعر غزير!
قلت:
ـ هذه مسألة أخرى، فأنا أمارس حقي في النقد والسخرية، ولا أستثني نفسي من ذلك. ثم إنني حين أسخر من أصلع، لا أنسى أنني أنظر في المرآة إلى واحد من جماعتكم!
قالت:
ـ عجيب أمرك! أتسخر من شيء تحمله فوق رأسك؟
قلت:
ـ بل أحمل فوق رأسي تاريخًا طويلًا من الصداقة معك، وإن كنت أحيانًا أشعر أنك استوليت على المكان كله دون استئذان!
سكتت صلعتي قليلًا، ثم قالت:
ـ وهل فكرت يومًا في أن تمنحني فرصة للرحيل؟ ربما كان بإمكانك أن تستعيد بعض شعرك.
ضحكت وقلت:
ـ أرحل؟! وأين أجد رفيقة لازمتني كل هذه السنوات؟ ثم دعيني أخبرك بسر صغير: أنا منذ صغري كنت أتمنى أن أصبح أصلع، وقد تحققت أمنيتي، فلا أرى مبررًا لأن أندب حظي أو أبحث عن شعر فقدته!
قالت بدهشة:
ـ كنت تتمنى الصلع؟! هذه أول مرة أسمع فيها إنسانًا يتمنى أن يفقد شعره!
قلت:
ـ الناس تختلف في أمنياتها، وأنا كنت واحدًا ممن تمنوا الصلع منذ الصغر. ويبدو أنك سمعتِ أمنيتي مبكرًا، فقررتِ أن تكوني أول من يحققها!
قالت:
ـ ومع ذلك، لا أفهم كيف تجمع بين اعتزازك بي والسخرية من أمثالي!
قلت:
ـ لأنني لا أتعامل مع الصلع باعتباره مأساة، ولا أرى أن الأصلع مطالب بأن يقضي عمره في الدفاع عن رأسه. أنا أسخر منك لأنني أحب خفة الظل، وأسخر من نفسي لأنني لا أرى نفسي فوق النقد، وأما من يأخذ الأمر على محمل الجد، فمشكلته أنه لم يفهم بعد أن الحياة أوسع من بضع شعرات!
عندها هدأت صلعتي، وبدا أنها اقتنعت بشيء من كلامي، لكنها لم تترك لي فرصة الانتصار الكامل، فقالت:
ـ حسنًا، ولكن لي عندك طلب أخير.
قلت:
ـ تفضلي، فما دمت قد رضيت بالبقاء، فلن أبخل عليك بشيء.
قالت:
ـ كفّ عن السخرية من الصلعان الآخرين، فقد أصبحوا يظنون أنني أنا التي ألقنك هذه التعليقات!
ضحكت وقلت:
ـ اطمئني، لن أعدك بشيء لا أستطيع الوفاء به!
وانتهى الحوار، وبقيت صلعتي في مكانها، لا هي غادرت رأسي، ولا أنا فقدت خفة ظلي.
والحقيقة أنني لا أرى في الصلع قضية تستحق الخصومة، ولا في الشعر ثروة تستحق الحسد. إنها مجرد تفاصيل في المظهر، أما الإنسان فقيمته في عقله وشخصيته وما يتركه من أثر، لا في عدد الشعرات التي يحملها فوق رأسه.
ثم إنني أقولها بكل صراحة: لقد تمنيت الصلع وأنا صغير، وحين تحقق ما تمنيت، لم أجد سببًا واحدًا يجعلني أشكو من استجابة القدر!
