2026-10-29

سؤال لم يتوقعه خوفو

 


دكتور محمد الشافعي

تخيلت أنني أقف أمام خوفو، لا زائرًا جاء من زمن بعيد ليتأمل عظمة ملك، بل رجلًا يعرف من تاريخ مصر ما يكفي لأن يدرك أن الوقوف أمام صاحب هذا المشروع الاستثنائي فرصة لا تتكرر.

كان الملك جالسًا في مجلسه، وحوله رجال الدولة، يتحدثون عن أعمال البناء وما يحتاج إليه المشروع من موارد وتنظيم. أنصتُّ قليلًا، ثم وجدتني أقول، دون أن أستأذن أحدًا:

— أيها الملك، لقد فكرت طويلًا في الهرم الذي تريد أن تتركه بعد رحيلك، لكن هل فكرت في الشيء الذي سيبقى من مصر نفسها بعد آلاف السنين؟

ساد الصمت.

التفتت الوجوه نحوي، وبدا واضحًا أن أحدًا لم يتوقع أن يطرح رجل غريب سؤالًا كهذا. أما خوفو، فلم يجب على الفور. نظر إليَّ طويلًا، ثم سألني:

— وما الذي تظن أنه سيبقى؟

قلت:

— الحجر سيبقى، وهذا ما نعرفه. لكنني لا أعرف إن كان الناس سيعرفون بعد آلاف السنين كيف عاش المصريون، وكيف فكروا، وكيف صنعوا هذا البناء. قد يرون الهرم، ثم يختلفون حول أسراره، وقد ينسون أسماء الذين عملوا فيه، لكنهم سيبحثون عنكم، وعن دولتكم، وعن الإنسان الذي جعل هذا كله ممكنًا.

لم يكن في وسعي أن أخبره بما سيحدث بعد آلاف السنين، ولا أن أروي له تاريخًا لم يقع بعد بالنسبة إليه. لكنني كنت أعرف أن السؤال الحقيقي ليس كيف سيبدو الهرم في المستقبل، بل كيف سيقرأ ذلك المستقبل عصره.

سألني خوفو:

— أتظن أن البناء وحده لا يكفي ليحفظ اسمي؟

قلت:

— سيحفظ اسمك، لكنه لن يجيب عن كل الأسئلة. فالبناء شاهد عظيم، لكنه لا يتحدث عن كل شيء. سيحتاج الناس إلى أن يدرسوا ما تركتموه، وأن يميزوا بين الحقيقة والتخمين، وأن يعيدوا النظر كلما ظهرت شواهد جديدة.

تدخل أحد الجالسين، مستنكرًا جرأتي، لكن الملك أشار إليه أن يصمت. ثم عاد يسألني عن المستقبل، فوجدت نفسي أمام أصعب ما يمكن أن يواجهه رجل يعرف التاريخ: أن يكون لديه ما يقوله، لكنه لا يستطيع أن يحوّل كل ما يعرفه إلى يقين، ولا أن يروي أحداث المستقبل كأنها وقعت أمامه.

قلت له:

— لا أستطيع أن أحكي لك تاريخًا لم تعشه بعد، لكنني أستطيع أن أقول لك إن الإنسان سيظل يسأل عنك، وعن هذا الهرم، وعن الذين بنوه. وستظل الأسئلة أكبر من الإجابات أحيانًا.

لم أعرف كيف تلقى خوفو كلامي، ولا ما الذي دار في نفسه بعد ذلك. لكنني، وأنا أغادر المجلس، أدركت أنني لم أكن أمام ملك يريد أن يترك أثرًا فحسب؛ كنت أمام إنسان يعيش في زمنه، بينما أحمل أنا في ذهني معرفة بما سيصبح عليه ماضيه.

وبقي السؤال يرافقني: لو استطاع الإنسان أن يسمع أحكام الأجيال التي ستأتي بعده، فهل كان سيغيّر شيئًا في اختياراته، أم كان سيمضي في طريقه كما يفعل كل إنسان، واثقًا أن الحاضر الذي يعيشه هو العالم كله؟

لم أجد إجابة. وربما لم يكن من حقي أن أجدها.