مهندس عاصم شاكر
أصعب حقيقة يكتشفها الإنسان في لحظة صدق مع نفسه، أن كل هذا الجري والتعب والانشغال قد لا يترك في يده شيئًا ثابتًا. يركض سنوات طويلة خلف العمل والنجاح والمال والعلاقات، ويظن أنه يبني عالمًا دائمًا، ثم يفيق فجأة على حقيقة بسيطة لكنها عميقة: نحن جميعًا عابرون في هذه الحياة، لا نملك الغد، ولا نحتفظ بما نحب إلى الأبد.
الحياة بطبيعتها مؤقتة، وكل ما فيها قابل للتغير. الأشخاص الذين نتمسك بهم قد يرحلون، والأماكن التي نحبها قد تتبدل، والأحلام التي نطاردها قد تتغير ملامحها مع الزمن. ومع مرور الأيام يدرك الإنسان أن أثقل ما يحمله على قلبه هو وهم الدوام، وأن أخف الناس مرورًا في الدنيا هم أكثرهم فهمًا لها، لأنهم عرفوا أنها طريق وليست محطة إقامة.
ليس المطلوب من الإنسان أن يترك الدنيا أو ينعزل عنها، بل أن يتعامل معها بوعي واتزان. يعمل ويجتهد، يحب ويعطي، يفرح ويحزن، لكنه في داخله يحتفظ بحقيقة واضحة: كل شيء زائل، وما يبقى فقط هو الأثر الطيب. هذه الفكرة تمنح النفس هدوءًا عميقًا، وتجعل الإنسان أقل قلقًا وأكثر تسامحًا مع الحياة ومع الناس.
عندما يفهم الإنسان أنه ضيف في هذه الدنيا، يصبح أكثر رحمة بالآخرين، وأكثر لطفًا في كلماته، وأقل ميلًا للصراع. لا يثقل قلبه بالحقد، ولا يستهلك عمره في الخصومات الصغيرة، لأنه يعرف أن الوقت أقصر من أن يُهدر في أشياء لا قيمة لها. فيختار أن يمر بخفة، وأن يترك خلفه أثرًا جميلًا، كلمة طيبة، موقفًا إنسانيًا، أو علمًا نافعًا.
المرور الخفيف في الحياة لا يعني الضعف، بل يعني الحكمة. أن تعيش دون أن تؤذي، وأن تحب دون أن تتملك، وأن تعمل دون أن تتكبر، وأن ترحل دون أن تترك جراحًا في قلوب الناس. هذه هي البصمة الحقيقية التي تبقى بعد رحيل الإنسان.
في النهاية، لا يُقاس جمال الإنسان بطول عمره ولا بكثرة ما جمعه، بل بما تركه من خير في قلوب من حوله. فالأعمار تمضي سريعًا، والأيام تتبدل، لكن الأثر الطيب يظل شاهدًا على صاحبه، حتى بعد أن يغيب.
نمضي جميعًا في طريق واحد، ويبقى السؤال الأهم: ماذا سيبقى منا بعد الرحيل؟
الجواب بسيط وعميق في الوقت نفسه: يبقى الأثر، ويبقى الخير الذي صنعناه في حياة الآخرين.

