كتب عبد الله الشعراوي
ثمة قناعةٌ راسخة لدى بعض من يتصدّرون إدارة الشأن العام، مفادها أن الشعوب تُقاد بالوجوه، وأن حضور الممثلين كفيلٌ بتوجيه الرأي وصناعة القبول. ومن ثمّ، نراهم يزجّون بهؤلاء في كل حملةٍ تمسّ حياة الناس، من قضايا الضرائب والكهرباء إلى سائر ما يتصل بالشأن اليومي، ظنًا منهم أن الإعجاب بالنجوم كافٍ لأن يُسكت السؤال، ويُعطّل التفكير، ويحوّل الناس إلى تابعين بلا إرادة.
غير أن هذه النظرة لا تعكس إلا استخفافًا بالعقول، وسوء تقديرٍ لوعيٍ لم يعد كما كان. فالمتلقي اليوم ليس أسير صورة، ولا تابعًا لصوتٍ يُملى عليه من شاشة، بل هو قادر على التمييز بين ما يُراد له أن يقتنع به، وما ينبغي أن يُخضعه للفحص والتأمل.
وليس الأمر مقصورًا على القضايا العامة، بل يمتد إلى الإعلانات التجارية، حيث يطلّ الممثلون والممثلات في كل حين، يمدحون سلعًا لا يعلمون عنها إلا ما كُتب لهم، فيُزيّنون منتجاتٍ قد تضرّ بالصحة، أو تُقدَّم بغير ما تستحق من ثناء. وكأن المطلوب أن يُسلِّم الناس عقولهم لسلطة الشهرة، وأن يشتروا بلا تفكير، لمجرد أن وجهًا مألوفًا قد ابتسم لهم من خلف الشاشة.
وأمام هذا المشهد، يبرز موقفٌ رافض لا يكتفي بعدم الاقتناع، بل يتجاوزه إلى المخالفة التامة. فحين يُدفع بممثلٍ ليحثّ على سلوكٍ بعينه—كترشيد استهلاك الكهرباء أو غيره—يكون الردّ، عن وعيٍ وقصد، هو فعل العكس تمامًا. لا عن عبثٍ أو رغبةٍ في الإضرار، بل رفضًا لأن يُبنى الاقتناع على هذا الأسلوب القائم على الوصاية والاستخفاف. فإذا طُلب إطفاء النور عبر هذا الخطاب، كان الجواب إشعال الأنوار، لا إيمانًا بالفعل ذاته، بل اعتراضًا على الوسيلة التي فُرض بها.
إنها رسالة واضحة: لسنا نعاجًا تُساق، ولا عقولًا تُعطَّل، ولا إراداتٍ تُشترى ببريق الوجوه. ومن يظن غير ذلك، إنما يخاطب صورةً قديمةً لم تعد قائمة، ويتعامل مع وعيٍ تجاوز هذه المرحلة بكثير.
إن احترام الإنسان يبدأ من احترام عقله، وأي خطابٍ لا ينطلق من هذا الأساس، مصيره الرفض، بل والمقاومة. فالشعوب لا تُقنع بالإيحاء، ولا تُوجَّه بالتمثيل، وإنما تُخاطَب بالصدق، وتُحترم بالوضوح. وما دون ذلك، لن يكون إلا عبئًا على الرسالة، ودليلًا على خللٍ في فهم من يُرسِلها قبل من يتلقّاها.


