دكتور محمد الشافعي
اختيارُ الطَّريقِ وأهلُ الوجود
في حياتِ كلِّ إنسانٍ تراكمت آلافُ المفارقاتِ والرُّحى التي لم يختَرها، أمورٌ هبطتْ عليه كعيونِ مطرٍ لا يُسأل عنها، تغييراتٌ فجائيةٌ قلبتْ اتجاهاتِه، أفراحٌ دخلتْ دونَ موعدٍ واستوطَنَت القلب، وأحزانٌ لم يكن يستحقُّها فأضاءت ليلهُ بالأسى. ليس في قدرةِ أحدٍ أن يحجبَ عنه كلَّ ما يطرأُ من الخارج، فالحياةُ مرآةٌ تتكسَّرُ بأصابعِ الزمان، وما يصلُ إليك إنما هو خليطُ ما قُدِّرَ وما وُلدَ من ظروفٍ ومَصادفاتٍ.
ومع ذلك، في وسطِ هذا البحرِ المُتلاطمِ من الوقائعِ، يبقى للإنسانِ فِي نفسهِ اختيارٌ فريدٌ لا يزولُ: كيف يعيش؟ أيُّ أحلامٍ يَحمِل؟ وأيُّ أملٍ يَسكُبُ في رئتيه؟ إنّها الحريةُ الصغيرةُ التي تجعلُ من الضياعِ مسارًا قابِلًا لإعادةِ التوجيه، ومن الجرحِ نصلاً يلتئمُ ويصيرُ أداةً للدِّفاعِ عن الذات، لا وسيلةً للانكسار.
اخترتُ — أو بالأحرى آمنتُ — أن أجعلَ الخياراتِ الداخليةَ هي الحكمَ الفصلَ في أيامي. خَتَمتُ أيامي بأحلامٍ لا تُقهرُ، لأنَّ الحلمَ إن لم يكن ملاذًا للمستحيلِ فلا يُعَدُّ حياةً. وحملتُ الأملَ كساريةٍ ترتفعُ في أفقي، تهدي نظري عندما يحجبُ السحابُ الرؤية. والشجاعةُ كانت رفيقتي في العواصف: ليست شجاعةَ الفرارِ من الخوف، بل جرأةُ المضيِّ رغمِه، وذكاءُ التعلُّمِ من سقوطِ الأمسِ دونَ أن تَسرقكَ منهُ النَّدامةُ.
لا أنكرُ أنَّ مُساراتٍ خسرتُها، ووجوهاً تاهتْ عني، وحظوظًا عابرةً رحلتْ دونَ وداعٍ، لكنّي لم أسمحْ لتلك الخسائرِ أن تُحدِّدَ هويتي. فقد علَّمَتني الحياةُ أنَّ المعنى الحقيقي لا يكمُن في امتلاكِ كلِّ شيءٍ، بل في اختيارِ طريقةِ العيشِ التي تُصنعُ من ضوءٍ داخليّ. من يختارُ أن يرى النورَ في أصغرِ الأشياءِ يظلُّ محصّنًا ضدَّ كآبةِ الأيام.
وهكذا، تصيرُ الحياةُ روايةً تُخطّها يداكَ فصولًا لا تنتظرُ إذنَ العالمِ. فيكمنُ الفضلُ في أن ترفضَ أن تكونَ آلةً تجرُّها الظروفُ، وتختارَ بدلاً من ذلكَ أن تكونَ صانعَ سِيرتكَ: تحلمُ للأجمل، وتحملُ الأملَ كنهجٍ، وتواجهُ المستحيلَ بشجاعةٍ هادئةٍ تُلمِّعُ لكَ الطريق. فالإرادةُ التي تُختارُ كيف يعيشُ المرءُ هي أثمنُ ما في الوجودِ — وبها تصبحُ الهزيمةُ درسًا، والنصرُ عادةً، والحياةُ معنىً أعلى.
