2026-09-04

الكتاب في زمن السرعة

 


دكتور محمد الشافعي 

حين أصبح الكتاب طويلًا على زمنٍ قصير

لم يعد الكتاب هو المنافس الوحيد على وقت الإنسان؛ فقد دخلت إلى حياته شاشاتٌ تعرف كيف تختصر العالم في ثوانٍ معدودة. ومع صعود عصر الفيديوهات القصيرة، تراجعت القراءة، وانحسر حضور المكتبات ومتاجر الكتب، وكأن الكتاب الذي ظل قرونًا رفيقًا للإنسان بدأ يفقد مكانه في عالمٍ يتعجل كل شيء.

المشكلة ليست في الفيديو القصير ذاته، فاختصار المعلومة قد يكون نافعًا، والصورة قادرة أحيانًا على أن تقول ما تعجز عنه صفحات. لكن الخطر يبدأ حين يتحول الاختصار من وسيلة إلى طريقة تفكير، وحين يعتاد العقل أن يتلقى كل شيء سريعًا، جاهزًا، ومجزأً، فيصبح الصبر على كتاب طويل ضربًا من المشقة.

فالقراءة لا تمنحنا المعلومات وحدها؛ إنها تدرب العقل على التأمل، وتمنحه القدرة على متابعة فكرة ممتدة، وربط مقدماتها بنتائجها، ومراجعة ما يقرأ بدل ابتلاعه كما هو. أما المحتوى السريع، فكثيرًا ما يمنحنا انطباعًا بالمعرفة أكثر مما يمنحنا المعرفة نفسها.

ولذلك لم يكن انحسار المكتبات مجرد تغير في حركة البيع والشراء، بل هو علامة على تغير أعمق في علاقتنا بالكتاب. فالمكتبة لم تكن متجرًا فحسب؛ كانت مساحة للبحث، والاكتشاف، والصدفة الجميلة التي قد تقودك إلى كتاب لم تكن تنوي شراءه، ثم تكتشف بعد ذلك أنه كان الكتاب الذي تحتاج إليه.

والأخطر أن الإنسان حين يفقد علاقته بالكتاب، لا يفقد مصدرًا للمعرفة فقط، بل يفقد شيئًا من عمق علاقته بنفسه. فالكتاب يحتاج إلى قارئ يمنحه وقتًا، والقارئ يحتاج إلى كتاب يمنحه شيئًا لا تمنحه السرعة: فرصة أن يتأمل، وأن يختلف، وأن يعيد النظر، وأن يترك الفكرة تنضج داخله.

لسنا أمام معركة بين الكتاب والفيديو، ولا ينبغي أن نعيش أسرى للحنين إلى الماضي. التكنولوجيا ليست عدوًا للقراءة، لكنها تصبح كذلك حين تستولي على انتباهنا كله. وربما لا يكون السؤال: لماذا اختفت المكتبات؟ بل: ماذا حدث للإنسان حتى أصبح كل ما يتطلب وقتًا يبدو له ثقيلًا؟

فالكتاب لم يتغير كثيرًا، لكن إيقاع الحياة تغيّر. وما نحتاج إلى إنقاذه اليوم ليس الكتاب وحده، وإنما قدرتنا على الجلوس أمام فكرة واحدة طويلًا، دون أن نبحث بعد ثوانٍ عن شيء آخر يسرق انتباهنا.

فالأمم التي تقرأ لا تملك معلومات أكثر فحسب، وإنما تملك عقولًا أكثر قدرة على الفهم والتمييز. وربما كان الدفاع عن القراءة، في زمن السرعة، دفاعًا عن أعمق ما تبقى للإنسان من قدرة على التأمل قبل الحكم، والفهم قبل التلقي، والتفكير قبل أن يفكر الآخرون نيابةً عنه.