مهندس عاصم شاكر
الإحباط في حياة الأستاذ الجامعي بين غياب العدالة الأكاديمية وهيمنة المحسوبية
.........
لم تكن الجامعة في أصل فكرتها مجرد مؤسسة تعليمية تمنح شهادات أو تُخرِّج طلابًا، بل كانت فضاءً للعلم الخالص، ومحرابًا للعقل، وموطنًا للعدالة الفكرية التي تضع كل إنسان في مكانه وفقًا لجهده وعلمه وكفاءته. غير أن هذا التصور المثالي يصطدم أحيانًا بواقعٍ مؤلم، حين تتراجع العدالة الأكاديمية وتفسح المجال للمحسوبية والفساد، فيتحول الحلم العلمي إلى عبءٍ نفسي ثقيل، ويغدو الإحباط رفيقًا دائمًا للأستاذ الجامعي الجاد.
إن الأستاذ الجامعي الحقيقي لا يطلب امتيازًا بقدر ما يطلب إنصافًا. فهو يقضي سنوات عمره بين الكتب والمراجع، يكدّ في البحث، ويسهر الليالي في إعداد المحاضرات، ويغالب ضغوط الحياة ليحافظ على مستوى علمي يليق برسالة الجامعة. لكنه حين يرى أن جهده لا يقابله تقدير مادي أو معنوي، وأن العطاء العلمي لا يُكافأ بما يستحق، تبدأ في داخله بذور الإحباط تنمو بصمت. فالشعور بالظلم لا يولد فجأة، بل يتسلل تدريجيًا حين تتكرر المواقف التي تُهدر فيها الكفاءة ويُرفع فيها من لا يستحق.
ويبلغ هذا الإحباط ذروته عندما يصل بعض الأفراد إلى درجات أكاديمية عليا دون أن يكونوا مؤهلين علميًا أو فكريًا لها، عبر أوراق بحثية شكلية، خاوية من الجوهر، سطحية في الطرح، ضعيفة في المنهج، لكنها تجد طريقها إلى القبول والترقي بفعل المجاملة أو النفوذ أو المصالح المتبادلة. وهنا لا تكون المشكلة في شخصٍ بعينه، بل في اختلال منظومة التقييم نفسها؛ إذ تتحول الورقة العلمية من مشروع معرفة إلى إجراء إداري، ومن جهد فكري إلى ملف شكلي يُستكمل به شرط الترقي.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط وصول غير المؤهلين إلى مواقع أكاديمية متقدمة، بل ما يترتب عليها من هدمٍ تدريجي لبنية الجامعة العلمية. فعندما يتصدر المشهد من لا يمتلك أدوات البحث، ولا عمق الفكر، ولا القدرة على الإبداع، فإن البيئة الأكاديمية كلها تتأثر؛ يضعف مستوى الإشراف العلمي، وتتراجع جودة البحوث، ويتخرج طلاب بلا منهجية حقيقية، وتفقد الجامعة دورها في إنتاج المعرفة. وهكذا يتسع الخلل حتى يصبح المشهد العام أقرب إلى فوضى علمية منظمة، حيث تختلط الألقاب بالمجاملات، وتُمنح الدرجات بعيدًا عن الاستحقاق.
وفي ظل هذا الواقع، يعيش الأستاذ الجامعي الجاد صراعًا داخليًا مريرًا؛ فهو من جهة يؤمن برسالته العلمية، ويرى في التعليم والبحث واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون وظيفة، ومن جهة أخرى يشعر بأن جهده يضيع في بيئة لا تحكمها العدالة. فيجد نفسه محاصرًا بين ضميره العلمي الذي يدفعه إلى الاستمرار، وواقعٍ إداري واجتماعي يثقل روحه ويضعف حماسه. ومع مرور الوقت، يتحول الإحباط من شعور عابر إلى حالة نفسية دائمة، تؤثر في الإنتاج العلمي، وفي الرغبة في التجديد، وفي الإحساس بقيمة العمل الأكاديمي ذاته.
إن العدالة الأكاديمية ليست ترفًا تنظيميًا، بل هي أساس بقاء الجامعة مؤسسة محترمة. فحين تسود العدالة، يطمئن الأستاذ إلى أن جهده لن يضيع، ويشعر الباحث بأن علمه هو الطريق الوحيد للترقي، ويؤمن الطالب بأن الجامعة مكان للجد والاجتهاد لا للمجاملات. أما حين تغيب العدالة، فإن الإحباط يصبح مناخًا عامًا، ويضعف الانتماء للمؤسسة، وتتحول الجامعة من بيت للعلم إلى ساحة صراع على المناصب والدرجات.
ولا شك أن إصلاح هذا الواقع يبدأ بإعادة الاعتبار لقيمة الكفاءة، ووضع معايير صارمة لتقييم البحوث والترقيات، وتكريم العلماء الحقيقيين ماديًا ومعنويًا، وتحصين المؤسسات الأكاديمية من الفساد والمحسوبية. فالعلم لا ينمو في بيئة مضطربة، والجامعة لا تنهض إلا بأهلها الصادقين، والعدالة وحدها قادرة على إعادة الأمل إلى نفوس الأساتذة الذين يحملون رسالة العلم بصدق.
وفي النهاية، يبقى الإحباط الذي يعيشه الأستاذ الجامعي الجاد صرخة صامتة في وجه واقعٍ مختل، ورسالة واضحة بأن الجامعة لن تستعيد مكانتها إلا حين يعود الميزان إلى اعتداله، ويُعطى كل ذي علم حقه، ويُرفع أهل الكفاءة إلى مواقعهم الطبيعية، فيسير العلم في طريقه الصحيح، وتستعيد الأكاديمية هيبتها، ويعود للأستاذ الجامعي شعوره بأن جهده لم يذهب سدى.


