2026-10-03

فضل الابتلاء

 

دكتور محمد الشافعي 

الابتلاء الذي كشف الوجوه

ما أعجب شأن الابتلاء حين يطرق باب الإنسان!

يأتيك متخفيًا في ثوب الوجع، وفي جعبته كنوز لا تُدركها الأبصار، ولا تُقدّرها العقول إلا بعد أن يهدأ ضجيج الألم. في لحظة الانكسار تتساقط الأقنعة، وتتكشف الوجوه على حقيقتها؛ من كان يبتسم لك طمعًا يولي مدبرًا، ومن كان يذكرك لهوى يختفي كأنه لم يكن، ومن أحبّك لوجه الله يظلّ سنده قائمًا كجبل لا تهزه الرياح.

ذلك الابتلاء الذي حسبته شرًّا، ما كان إلا خيرًا مقنّعًا، ورحمةً مضمّخة بامتحان. لقد علّمك من أنت، ومن حولك، وكم كنت غنيًّا بربٍّ لا يغيب، وإن خلا منك الطريق. فيه عرفت قيمة الصبر، وسكينة الرضا، ونور الدعاء في ظلمة العجز، وعلمت أن الله لا يبتليك ليكسر قلبك، بل ليطهّره مما علق به من شوائب البشر.

الابتلاء ليس عقوبة، بل رسالةٌ من السماء تقول لك: “قُم، فقد آن أن ترى بعينك لا بعين الناس، وأن تثق بمن لا يتبدّل.”

فاحمد الله على ما أراك، واشكره على ما أبعد عنك، فكم من ضراءٍ ظنناها موتًا، فإذا بها ولادة جديدة لروحٍ أنقى، وإيمانٍ أرسخ، وبصيرةٍ لا تخطئ بعدها وجوه الزيف.

ذلك هو البلاء الجميل؛ الذي لا يترك فيك إلا حقيقةً وضيئة، ولا يمضي إلا وقد خلّف في قلبك يقينًا بأن كل ما كتبه الله... كان في الأصل هديةً ثمينةً في ثوب ابتلاء.