2026-04-06

راتب ام اهانة

 


دكتور محمد الشافعي 

لم يعد مرتب عضو هيئة التدريس في مصر مجرد مسألة ضعف دخل، بل تحوّل إلى أزمة حقيقية تمس كرامة المهنة وقيمة العلم في المجتمع. سنوات طويلة من الدراسة والبحث، تبدأ بالليسانس أو البكالوريوس، ثم الماجستير والدكتوراه، مرورًا بالأبحاث والتدريس والإشراف العلمي واللجان والتصحيح، تنتهي في واقع مؤلم يتمثل في راتب لا يكفي لتغطية أساسيات الحياة، ولا يواكب الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الكريمة.

المشكلة لم تعد شأنًا فرديًا أو شكوى شخصية، بل أصبحت قضية تمس مكانة الأستاذ الجامعي ذاته، وتمثل إهانة غير مباشرة لمهنة يُفترض أنها تصنع العقول وتبني الأجيال وتصوغ مستقبل الوطن. فكيف يمكن أن نطالب الأستاذ الجامعي بالإبداع والابتكار والبحث العلمي المتقدم، وهو يعيش يوميًا تحت ضغط القلق المادي، ويشغل فكره التفكير في تدبير احتياجات بيته قبل تدبير احتياجات طلابه وأبحاثه؟ وكيف يمكن أن نحاسبه على جودة الأداء العلمي والتعليمي في ظل غياب الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي الذي يضمن له حياة كريمة تليق بمكانته العلمية؟

إن ما يحدث لا يمثل ظلمًا لأعضاء هيئة التدريس فحسب، بل يُعد إهدارًا لقيمة العلم نفسها، لأن الأستاذ الجامعي حين يُثقل بالديون والضغوط والالتزامات المعيشية، فإن انعكاس ذلك لا يتوقف عنده وحده، بل يمتد إلى الطالب الذي يتلقى علمًا في بيئة مضطربة، وإلى الجامعة التي تفقد تدريجيًا هيبتها، وإلى المجتمع الذي يخسر أهم ركائزه الفكرية والعلمية.

إن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس ليس رفاهية، ولا مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل ضرورة وطنية حقيقية، تهدف إلى الحفاظ على مكانة الجامعة المصرية واستعادة احترام المجتمع للعلم وأهله. فالأستاذ الجامعي ليس موظفًا عاديًا، بل هو صانع وعي وبانٍ للأجيال، وأي مجتمع يسعى إلى التقدم لا يمكنه أن ينهض بينما حاملو العلم فيه يعانون من ضيق العيش وقلة التقدير.

إن إعادة الاعتبار المادي والمعنوي للأستاذ الجامعي تمثل خطوة أساسية في طريق إصلاح التعليم العالي، لأنها تعني ببساطة إعادة الاعتبار للعلم ذاته، وترسيخ قناعة حقيقية بأن بناء الإنسان يبدأ من احترام من يعلّمه ويصوغ عقله ويقود فكره.

حنين إلى زمنٍ لم أعشه

 


دكتور محمد الشافعي 

أحيانًا يشعر الإنسان أنه يسير في زمنٍ لا يشبهه، كأن روحه وُلدت في عصرٍ آخر ثم أُلقي بها خطأً في هذا العصر الصاخب. يعيش بين الناس بجسده، بينما قلبه معلّق في زمنٍ قديم، يفتّش في الوجوه عن ملامحٍ اندثرت، وفي الشوارع عن ظلالٍ كانت هنا ثم مضت، وفي الكلمات عن رصانةٍ غابت وحلّ محلها ضجيج العبارات السريعة.

إن الحنين إلى القديم ليس مجرد إعجابٍ بالشعر أو الموسيقى أو العمارة، بل هو حالة وجدانية عميقة، أشبه بما كان يطلق عليه أهل العشرينيات والثلاثينيات "نزعة الوفاء للأصل" أو "رقة الطبع ورسوخ الذوق". ذلك الزمن لم يكن مجرد سنواتٍ تمضي على صفحات التاريخ، بل كان نسقًا للحياة، وإيقاعًا هادئًا للأيام، حيث كانت الكلمات تُقال بوقار، والخطوات تُحسب بتؤدة، والوجوه تُزيَّن بابتسامةٍ صادقة لا بزيف المجاملات.

وحين يثقل الذهن وتتزاحم الأفكار، يجد المرء نفسه مدفوعًا إلى شوارع القاهرة القديمة، لا ليتمشى فحسب، بل ليبحث عن ذاته. يسير بين الأزقة العتيقة، تحت شرفاتٍ متآكلة، وعلى أرصفةٍ شهدت خطى رجالٍ ونساءٍ من زمنٍ أنيق، وكأن الجدران تهمس بحكاياتٍ قديمة، وكأن النوافذ تطلّ على ماضٍ لم يمت بعد. هناك، في عبق الحجر القديم، وفي صمت المشربيات، وفي زخارف الأبواب الخشبية، يشعر الإنسان أنه عاد إلى موطنه الحقيقي، ولو لبرهةٍ قصيرة.

زمن العشرينيات والثلاثينيات تحديدًا يحمل سحرًا خاصًا؛ كان زمن البدلة الأنيقة والطرب الأصيل، زمن المفردة المهذبة والخطاب الرصين، زمن الرسائل المكتوبة بخط اليد، وزمن المجالس التي تُدار فيها الأحاديث على مهل، بلا عجلة ولا صخب. كان الاحترام قيمةً لا شعارًا، وكان الأدب سلوكًا لا تكلّفًا، وكانت البساطة عنوانًا للحياة، فلا ترفٌ يفسد الروح ولا تعقيدٌ يرهق القلب.

ولعل السر في هذا الحنين أن الإنسان حين يضيق بالحاضر، يبحث عن زمنٍ أكثر صفاءً، زمنٍ يليق بروحه، فيجده في الماضي. فالماضي — وإن لم نعشه — قد يسكن فينا، لأن الروح بطبيعتها تميل إلى الهدوء والوقار والجمال، وهذه القيم كانت أوضح حضورًا في تلك الأزمنة.

إن الشعور بالغربة عن المجتمع لا يعني الانفصال عنه، بل يعني امتلاك حسٍ مرهف يرفض الصخب ويبحث عن الأصالة. فبعض الناس يعيشون في الحاضر بأجسادهم، لكن أرواحهم تحمل رائحة الزمن الجميل، وتأنس بالكلمات القديمة، وتستريح في الأماكن العتيقة، وتحنّ إلى عالمٍ كانت فيه الحياة أكثر لطفًا وصدقًا.

وهكذا يظل الحنين إلى الزمن القديم ليس هروبًا من الواقع، بل محاولة للحفاظ على جوهرٍ إنسانيٍ رقيق كاد أن يضيع في زحام العصر؛ جوهرٍ يرى في الوقار جمالًا، وفي البساطة نعمة، وفي الأدب حياة، وفي الماضي وطنًا معنويًا يلجأ إليه القلب كلما ضاقت به الأزمنة.