الشيف أسامة السيد
رحمة الله عليه
دكتور محمد الشافعي
في زمنٍ لم تكن فيه وفرةٌ مفرطة في المحتوى، ولا هذا الضجيج البصري الذي يطغى على المعنى، كان للمطبخ هيبته، ولتعليمه وقاره. وحين يتعلق الأمر بشغف الطهي، فإن البدايات الصادقة تصنع الفارق، وتترك أثرًا لا يُمحى في الذاكرة والوجدان.
لقد كان شغفي بالمطبخ دافعًا لأن أجد في البرامج المتخصصة نافذتي الأولى نحو هذا العالم؛ فكانت قناة Dream TV في طليعة ما أتابع، وكان على رأسها القامة الرفيعة الشيف البروفيسور أسامة السيد، رحمه الله، الذي لم يكن مجرد طاهٍ يقدم وصفات، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، بل “بروفيسور” بحق. منه تعلمت أساسيات المطبخ، وأسرار التعامل مع اللحوم والخضروات، وفوائدها، وطرائق إعدادها المتنوعة. كان يعلّم قبل أن يُبهر، ويؤصل قبل أن يستعرض، فاستحق أن يبقى المعلم الأول رغم تعاقب الأسماء والبرامج.
ثم أخذت الساحة في الاتساع، فظهرت برامج أخرى، غير أن مكانة أسامة السيد ظلت عصيّة على المنافسة. ومع تطور المشهد الإعلامي، بزغت قنوات متخصصة في الطهي وثقافته، في مصر والعالم العربي، وكان لقناة Fatafeat السبق والريادة. ظهرت عليها أسماء متعددة، من محترفين ومبتدئين، وكنت أتابع الحلقة الواحدة مباشرة ثم أعيدها مرارًا حتى تثبت المعلومة في ذهني. وكان هناك شيف بارع في تلك المرحلة—أتحفنا بعلمه—غير أنني أمتنع عن ذكر اسمه اليوم، لما بدر منه مؤخرًا من ظهور غير لائق مع عمرو أديب في برنامج لا يليق بمقام العلم ولا بأهله.
غير أن المشهد لم يستمر على هذا النحو؛ إذ ظهرت قنوات أخرى مثل CBC وPNC، لكنها—في تقديري—قنوات ضعيفة، خاوية من المضمون، لا يُعوّل على ما تقدمه، ولا يمكن أن يجد فيها المشاهد شيفًا يستحق المتابعة أو الثقة. صار المحتوى أقرب إلى ملء الفراغ منه إلى بناء المعرفة، وابتعدت هذه القنوات عن تقديم ثقافة طهي حقيقية.
وتجلّى هذا التراجع في نماذج بعينها؛ فالسيدة نونا تقدم صورة عشوائية، بملابس عجيبة، وأسلوب سوقي لا يليق بخطاب إعلامي يُفترض فيه الرقي. وفاطمة حاتي لا يكاد المشاهد يخرج من حديثها بمعلومة واحدة، ولا حتى بجملة سليمة. أما دعاء السمنودي فتبدو منشغلة بذاتها، لا تُحسن سوى إبداء الدهشة والاستغراب، والرد على المعجبين على الهواء، مع أداء ضعيف في إعداد الطعام.
وتتفاقم الصورة مع الشيف الشربيني، الذي أراه مؤسس “مدرسة العك”، حيث تتحول المشاهدة معه إلى تجربة منفّرة تُورث كراهية للطعام لا تقل عن شهرين، حتى تغيب عن المخيلة تلك المشاهد التي لا تُطاق. وكذلك محمد حامد، الذي لا يكاد يفعل شيئًا سوى الترويج لمنتجات يتقاضى عنها مبالغ طائلة، فيغيب المحتوى، ويحضر الإعلان.
إنها—في مجملها—قنوات فارغة، لا تقدم فائدة حقيقية للمشاهد، ولا تُسهم في بناء ذائقة أو نشر ثقافة. أسماء كثيرة يمكن إضافتها إلى هذه القائمة، لكن فيما ذُكر كفاية للدلالة على عمق الأزمة.
ولعل الرأي الذي أراه، بلا مواربة، أن غلق هذه القنوات—بهذا المستوى—أهون من بقائها على هذا النحو؛ إذ إن استمرارها لا يضيف إلى المشهد إلا مزيدًا من التشويش، ويُسيء إلى فن الطهي الذي كان يومًا علمًا يُدرَّس، وذوقًا يُهذَّب، ورسالة تُحترم.