دكتور محمد الشافعي
المرآة لا تُصلح الكسور
ليست كل حقيقة تُرى بالعين، ولا كل صورة تعكس الواقع كما هو. أحيانًا يقف الإنسان أمام مرآة الحياة، فلا يرى فيها ما يراه الآخرون، بل يرى ما اختار أن يؤمن به عن نفسه.
توحي هذه الصورة بمعنى يتجاوز التفاحة والمرآة. ففي الخارج تبدو التفاحة وقد نُزعت منها قضمة كبيرة، وكأنها فقدت شيئًا من اكتمالها، بينما تعكس المرآة صورة تفاحة سليمة لا أثر فيها لنقص أو جرح. وهنا يبرز السؤال الذي يرافق الإنسان طوال حياته: أي الصورتين أقرب إلى الحقيقة؟ الصورة التي يراها الناس، أم الصورة التي يراها الإنسان عن نفسه؟
تُجسد الصورة هذا المعنى ببراعة؛ تفاحة في الواقع أُخذ منها جزء، لكنها في المرآة تبدو كاملة، كأنها لم تُمس. وليس المقصود أن المرآة تكذب، بل أن الإنسان يملك مرآته الخاصة، تلك التي يصنعها داخله، والتي قد تكون أقوى من كل مرايا الدنيا.
كثيرًا ما ننشغل بعيون الآخرين، ونقضي أعمارنا نحاول أن نُحسن صورتنا أمامهم، بينما الحقيقة الأعمق أن الإنسان لا يعيش بما يراه الناس فيه، بل بما يراه هو في نفسه. فإذا امتلأ قلبه بالرضا، خفَّ عليه ما يقوله الآخرون، وإذا امتلأ بالشك، فلن تنفعه كلمات المديح كلها.
وفي المقابل، هناك من يبدو كاملًا في أعين الناس، بينما يرى نفسه ناقصًا، فيعيش أسيرًا لنظرة لا يراها سواه. لذلك، ليست المشكلة فيما يراه الناس، وإنما في الصورة التي نرسمها لأنفسنا.
لكن الصورة تحمل رسالة أخرى أكثر عمقًا. فالمرآة هنا ليست دعوة إلى خداع النفس، وليست تبريرًا للإنكار، وإنما تذكير بأن الإنسان لا ينبغي أن يسمح لجرحٍ أصابه أن يتحول إلى تعريفٍ كامل لشخصيته. قد يكون في داخله ألم، أو خسارة، أو انكسار، لكنه يملك في الوقت نفسه قدرة على أن يرى ما بقي فيه من قوة، لا ما فقده فقط.
وكم من إنسان أنهكته الأيام، وخذلته التجارب، وامتلأ قلبه بندوب لا يراها أحد، لكنه ما زال يرى نفسه قادرًا على النهوض، مؤمنًا بأن ما انكسر فيه لا يلغي ما بقي منه. تلك ليست غفلة عن الألم، بل مقاومة له، وإيمان بأن الجراح مرحلة وليست هوية.
ليس المطلوب أن نقول لأنفسنا: أنا بخير بينما نحن نتهاوى من الداخل، فذلك هروب لا شجاعة. وإنما المطلوب أن نقول: نعم، أنا مجروح... لكن جرحي ليس هويتي، ونقصي ليس نهايتي، وما فقدته لا يلغي ما بقي فيَّ من خير وقوة وأمل.
الإنسان العظيم ليس من لم تصبه الحياة بقضمة، وإنما من رفض أن تتحول تلك القضمة إلى نهاية حكايته. فكل إنسان يحمل أثرًا لخيبة، أو ذكرى لفقد، أو ندبة خلفها الزمن، غير أن النفوس الكبيرة لا تجعل جراحها عنوانها، بل تجعلها درسًا يزيدها نضجًا واتزانًا.
ولذلك، لا تجعل قيمتك رهينة لنظرة الآخرين إليك، ولا تجعلها أسيرة لجراحك القديمة. فالناس يرون جانبًا من الصورة، وأنت وحدك تعرف رحلتك كاملة. وإن كانت لك مرآة، فلتكن مرآة الصدق لا مرآة الوهم؛ ترى بها نقصك لتصلحه، وترى بها قوتك لتستثمرها، وترى بها كرامتك فلا تسمح لأحد أن ينتزعها منك.
إن أخطر ما يُصيب الإنسان ليس أن يُجرح، بل أن يقتنع أنه لم يعد يستحق الحياة بعد الجرح. وأجمل ما في النفس أنها تستطيع، رغم كل ما أصابها، أن تنهض مرة أخرى، وأن تقول بثقة هادئة: قد تكون الحياة قد أخذت مني شيئًا، لكنها لم تستطع أن تأخذ مني نفسي.
فليست القيمة في أن تبدو كاملًا، وإنما في أن تؤمن بأن نقصك لا ينتقص من إنسانيتك، وأن ما فقدته لا يختصر حقيقتك.
إن أجمل ما توحي به هذه الصورة أن الإنسان ليس ما أصابه، بل ما قرر أن يكونه بعد ما أصابه. فربما كانت التفاحة ناقصة في ظاهرها، لكنها ما زالت تفاحة، وما زالت تحمل بذورها، وما زالت قادرة على أن تمنح حياة جديدة
