دكتور محمد الشافعي
من أسوأ العادات التي يمكن أن يمارسها بعض الناس أن يضربوا موعدًا ثم لا يلتزموا به؛ يتأخرون بلا اعتذار، أو يتجاوزون الموعد وكأنه أمر عابر، وربما لا يأتون أصلًا، كما حدث معي الأسبوع الماضي حين وعدني أنور السباك بالمجيء، وانتظرته، لكنه لم يأتِ.
قد يبدو الأمر بسيطًا في نظر البعض، لكنه ليس كذلك؛ لأن من يضرب لك موعدًا يجعلك ترتب وقتك وحياتك على أساسه، وربما تؤجل عملًا أو ارتباطًا من أجله. وحين لا يأتي، فإنه لا يهدر وقته وحده، وإنما يهدر وقتك أيضًا.
فالانتظار ليس مجرد دقائق تمر، وإنما وقت يتوقف فيه الإنسان عن أشياء كثيرة لأنه لا يعرف متى تنتهي تلك اللحظة. يراقب الساعة، ينظر إلى هاتفه، ويتساءل: هل سيأتي؟ هل تأخر لسبب؟ هل حدث شيء؟ ثم تبدأ الاحتمالات في التزاحم، وكلما طال الغياب أصبح الانتظار أثقل.
وأشد ما يوجع في الانتظار أن الإنسان لا يملك قرار النهاية؛ فهو لا يستطيع أن يجعل الآخر يأتي، ولا يعرف هل ينتظر قليلًا أم ينصرف، فيظل معلقًا بين الأمرين.
ولهذا فإن احترام المواعيد ليس مجرد التزام بالساعة، وإنما احترام للإنسان نفسه. وإذا طرأ ما يمنع الحضور، فإن كلمة اعتذار واحدة تكفي أحيانًا، لأنها تقول للطرف الآخر: أنا أقدر وقتك كما أقدر وقتي.
فالوقت ليس شيئًا زائدًا في حياتنا، وإنما هو جزء من أعمارنا، وما مضى منه لا يعود. ومن يستهين بوقت الآخرين، يستهين دون أن يشعر بجزء من أعمارهم.
وربما لهذا يصبح من الحكمة ألا ننتظر طويلًا من اعتاد أن يجعلنا ننتظر؛ فبعض الناس لا يؤلمنا غيابهم بقدر ما يؤلمنا أنهم جعلونا نعتقد أن حضورهم يستحق كل هذا الانتظار.
احترام الموعد احترام للإنسان، ومن لا يحترم وقتك لا يحق له أن يطلب منك انتظارًا طويلًا.
