دكتور محمد الشافعي
بين الحب والكراهية... حين تنقلب المشاعر ولا تموت:
يظن كثير من الناس أن الحب والكراهية نقيضان لا يجتمعان، وأن أحدهما إذا حضر غاب الآخر إلى غير رجعة. غير أن التأمل في النفس الإنسانية، وما تختزنه من تعقيد وتشابك، يكشف أن الحقيقة أكثر عمقًا من هذا التصور المبسط؛ فالحب لا يقف في الطرف المقابل للكراهية، وإنما يقف في مقابله البرود واللامبالاة. أما الحب والكراهية، فكلاهما وجهان لانفعال واحد، قوامه الاهتمام العميق، والتعلق الشديد، والحضور الطاغي للآخر في الوجدان.
فالحب ليس مجرد ميل عابر أو إعجاب مؤقت، بل هو استثمار كامل للمشاعر، يفتح فيه الإنسان أبواب قلبه، ويمنح غيره مساحة واسعة في عالمه الداخلي. ومن هنا تصبح الخيبة أكثر إيلامًا؛ لأن الجرح لا يأتي من غريب، وإنما من شخص كان موضع ثقة، ومستودع أسرار، وشريكًا في الأحلام والآمال.
ولهذا، فإن الكراهية التي تنشأ بعد الحب ليست وليدة فراغ، ولا ثمرة قسوة أصيلة في النفس، وإنما هي غالبًا نتيجة مباشرة لانكسار الثقة، أو تكرار الخذلان، أو سقوط الصورة المثالية التي رسمها المحب لمن أحب. فحين يكتشف الإنسان أن الواقع يختلف اختلافًا كبيرًا عن الصورة التي عاش يؤمن بها، تهتز أركان وجدانه، ويجد نفسه في صراع بين ذكريات جميلة وواقع مؤلم.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الإنسان لا يكره الشخص الآخر وحده، بل قد يخاصم ذاته أيضًا. فيلوم نفسه على حسن ظنه، ويعاتب قلبه على ما منحه من ثقة، ويشعر أن عاطفته قد استُغلت أو أُهدرت في غير موضعها. ومن هنا يتحول الغضب الداخلي إلى نفور ظاهر، ويصبح الكره أحيانًا محاولة لاستعادة التوازن النفسي، وحماية الكرامة من مزيد من الانكسار.
ومع ذلك، فإن الكراهية لا تعني بالضرورة أن الحب السابق كان زائفًا أو مصطنعًا، بل قد تكون دليلًا على صدقه وقوته. فالمشاعر السطحية تنتهي غالبًا بصمت، أما المشاعر العميقة فتترك أثرًا لا يزول بسهولة، سواء كان ذلك الأثر فرحًا أو ألمًا. ولهذا كان أكثر الناس قدرة على الكراهية هم أولئك الذين أحبوا بصدق، لأنهم هم أنفسهم الذين منحوا من أرادوا حبهم أعظم نصيب من قلوبهم.
غير أن النضج الإنساني لا يقف عند حدود الحب أو الكراهية، بل يتجاوزهما إلى مرحلة أسمى، هي مرحلة التحرر من أسر المشاعر المتطرفة. ففي هذه المرحلة لا يعود الإنسان أسيرًا للحب الذي يعميه، ولا للكراهية التي تستنزفه، بل يبلغ حالة من السلام الداخلي، يصبح فيها الماضي تجربة يتعلم منها، لا قيدًا يربطه، ولا نارًا تحرقه.
وهنا يتجلى الفرق بين من يعيش أسيرًا لجرحه، ومن يجعل من جرحه معلمًا. فالأول يظل يدور في دائرة الحب والكراهية، بينما الثاني يصل إلى اللامبالاة الواعية؛ لا تلك اللامبالاة التي تعني قسوة القلب، وإنما التي تعني انتهاء سلطان الماضي عليه، وانقطاع تأثيره في حاضره ومستقبله.
إن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن يحول حبه إلى كراهية، ولا أن يرد الإساءة بمثلها، وإنما أن يسترد قلبه من قبضة الألم، وأن يحتفظ بصفاء نفسه دون أن يسمح للخذلان بأن يشوه إنسانيته. فالحب قيمة سامية، والكراهية رد فعل مفهوم، أما الحكمة فهي أن يدرك المرء متى يطوي الصفحة، ويترك الأيام تحمل ما بقي من الذكريات، دون أن تحمل معها ما بقي من قلبه.
وهكذا تبقى النفس الإنسانية بحرًا عميقًا، تتجاور فيه المحبة والنفور، والوفاء والخذلان، والرجاء واليأس. وليس السؤال الحقيقي: هل يستطيع من أحب أن يكره؟ بل السؤال الأجدر بالتأمل هو: هل يستطيع، بعد كل ما مر به، أن يسمو فوق الحب والكراهية معًا، ليحيا بقلب أكثر حكمة، ونفس أكثر اتزانًا؟ ذلك هو الانتصار الذي لا يبلغه إلا أصحاب القلوب الكبيرة.
واخيرا ليس كل من أحب كره، ولكن كل كراهية عميقة تكاد تحمل في باطنها أثر حبٍّ عظيم أو تعلقٍ شديد سبقها.


