دكتور محمد الشافعي
ينتابني من آنٍ لآخر شعور لا أستطيع أن أحدد له اسمًا دقيقًا؛ فلا أنا أستطيع أن أجزم بأنه اكتئاب، ولا أستطيع أن أختزله في كونه مجرد حزن عابر. هو أقرب إلى حالة داخلية من عدم الرضا، أو ضيق خفي يتسلل إلى النفس دون استئذان، فيُربك صفوها ويُعكّر هدوءها.
في تلك اللحظات، لا يكون الأمر مجرد فكرة، بل حالة كاملة تتلبسني؛ أشعر بضيق في صدري كأن الهواء لم يعد كافيًا، وتغيب عني صفاء الرؤية، وتضطرب قدرتي على التفكير والتحليل، حتى كأنني لست أنا الذي أعرفه. تتثاقل الأشياء في داخلي، ويغدو كل شيء باهتًا، لا لعيب فيه، بل لعجزٍ في الإحساس به.
ولا أجد مخرجًا من هذه الحالة إلا في الخروج والمشي. كأن الحركة تُعيد شيئًا من الاتزان، وكأن الطرقات تمتص ما في الصدر من ثقل. غير أن هذا الخروج غالبًا ما يكون وحيدًا، فالوحدة هنا ليست اختيارًا بقدر ما هي واقع مفروض. لا لغياب الناس، بل لغياب الصديق بمعناه الحقيقي.
فمن حولي كثيرون، وبيننا مودة صادقة وتقدير متبادل، لكنهم ليسوا أصدقاء بالمعنى الذي يُلجأ إليه عند الضيق. بعضهم أصغر سنًا، وبعضهم بعيد مكانًا، وبعضهم تحكمه ظروف لا تسمح بالقرب الدائم. وهكذا أجد نفسي محاطًا بالناس، لكن دون صحبة حقيقية تُبدد ثقل اللحظة حين تحضر.
وعلى النقيض تمامًا، أجدني في عملي شخصًا آخر. حين ألتقي بطلابي، وأجلس بينهم، أشعر بقيمتي على نحو واضح وصريح. هناك، في قاعة الدرس، تختفي كل تلك الغيوم، ويحل محلها صفاء عجيب. تصبح لحظة المحاضرة من أسعد أوقات حياتي، لا لأنني أؤدي واجبًا، بل لأنني أعيش حالة من العطاء الصادق.
ولعل ما يزيد هذه الحالة صفاءً أنني لا أتعامل مع المحاضرة بوصفها أداءً مُعدًّا سلفًا، بل أراها رزقًا يُساق إلى السامعين، يُجريه الله على لساني. لا أُثقِل نفسي بتحضيرٍ مُسبق بقدر ما أترك المجال لذلك التدفق الذي أشعر معه أنني مجرد وسيلة، وأن الكلمة تُقال حيث ينبغي أن تُقال.
لكن ما إن تنتهي هذه اللحظات، وأعود إلى نفسي، حتى تعود تلك الحالة من جديد؛ كأن الفرح كان عابرًا، وكأن الصمت يملك من القوة ما يسترد به حضوره. وهنا تتجلى المفارقة: امتلاءٌ حين أكون بين الناس، وفراغٌ حين أكون مع نفسي.
وهكذا تمضي الحالة بين شدٍّ وجذب؛ بين لحظات أجد فيها نفسي بوضوح، وأخرى تتوارى فيها خلف ضباب داخلي لا أملك له تفسيرًا قاطعًا. وربما لم يكن السؤال الأهم هو: ما اسم هذه الحالة؟ بل كيف يمكن التعايش معها دون أن تبتلع صفاء ما تبقى.
إنها ليست قصة حزنٍ خالص، ولا حكاية اكتئابٍ مكتمل، بل تجربة إنسانية تتأرجح بين الضوء والظل؛ بين صخب القاعة الذي يُعيد إليّ نفسي، وصمتها حين أخلو بها، فأجدني في مواجهة ما لا يُقال، وما لا يُرى، لكنه يُحس بكل وضوح.

