2026-07-03

الجودة المزعومة

 


دكتور محمد العوادي 

الجودة... حين تتحول إلى أوراق

كنت مسؤولًا عن احد معايير برنامج الآثار المصرية القديمة، ولذلك لم يكن حكمي على تجربة الاعتماد قائمًا على الانطباعات أو الشائعات، وإنما على معرفة دقيقة بما جرى داخل البرنامج، وبما تم إعداده من ملفات ووثائق، وهو ما جعل النتيجة بالنسبة لي واحدة من أكثر الوقائع إثارة للدهشة في مسيرتي الأكاديمية.

ومن المفارقات التي لا يمكن إغفالها أن منسق البرنامج منذ انطلاق مشروع الاعتماد لم يكن – في تقديري – يمتلك الحد الأدنى من الخبرة اللازمة في مجال الجودة، ولم يكن لديه إلمام حقيقي بمتطلباتها أو آليات تطبيقها. وانصب اهتمامه، فيما بدا لي، على حمل لقب منسق البرنامج أكثر من انشغاله بقيادة العمل، فلم تُطرح رؤية واضحة، ولا وُضعت خطة زمنية، ولا قُدمت توجيهات تُنظم سير العمل أو تُحدد المسؤوليات. وظلت الأمور تسير بعشوائية حتى اقترب موعد الاعتماد، وقبل الزيارة بنحو شهر انضم زميل آخر يمتلك من الخبرة والكفاءة ما مكنه من قيادة عملية استكمال الملفات وإنجازها من الناحية الشكلية في وقت قياسي. ولولا هذا التدخل المتأخر، لكان من العسير حتى استكمال المتطلبات الورقية التي بُني عليها ملف الاعتماد.

وأكرر أن من أكثر الوقائع التي ما زلت أعجز عن تفسيرها حتى اليوم حصول برامج الآثار المصرية القديمة، والآثار الإسلامية، والآثار اليونانية والرومانية بكلية الآداب جامعة طنطا على الاعتماد من الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد.

ولم يكن استغرابي نابعًا من موقف شخصي أو خلاف إداري، بل من واقع أنني كنت مسؤولًا في برنامج الآثار المصرية القديمة، وأعرف تفاصيله عن قرب، وأدرك جيدًا ما كان ينقصه، وما كان ينبغي أن يتوافر فيه قبل التفكير أصلًا في التقدم للاعتماد.

كنت على يقين بأن لجنة المراجعة الخارجية سترفض البرامج الثلاثة، لا لأنني كنت أتمنى ذلك، وإنما لأنني كنت أرى أن كثيرًا مما قُدم لا يعكس الواقع الحقيقي الذي تعيشه هذه البرامج. وكنت أعتقد أن أعضاء اللجنة يمتلكون من الخبرة ما يمكنهم من التمييز بين جودة حقيقية تُمارس على أرض الواقع، وبين ملفات يمكن إعدادها لاستيفاء المتطلبات الشكلية.

وخلال أيام الزيارة التي استمرت ثلاثة أيام، كنت أتابع أعمال اللجنة باهتمام، وخرجت بانطباع زاد من يقيني بأن قرار الرفض قادم لا محالة، وأن ما رأيته من ملاحظات ومناقشات لا يمكن أن ينتهي بمنح الاعتماد.

انتهت الزيارة في نهاية فبراير 2025، ثم طال انتظار النتيجة حتى نهاية نوفمبر، وحين أُعلن القرار كانت المفاجأة؛ فقد حصلت البرامج الثلاثة جميعها على الاعتماد.

ومنذ تلك اللحظة ترسخت لدي قناعة لا أزال أؤمن بها، وهي أن ما يُسمى بمنظومة الجودة في صورتها الحالية لا يعبر – في كثير من الأحيان – عن جودة التعليم الحقيقية، وإنما عن جودة الملفات والوثائق. فكلما كانت الأوراق أكثر اكتمالًا، ازدادت فرص الحصول على الاعتماد، حتى وإن ظل الواقع التعليمي على حاله.

أنا لا أؤمن بالجودة الشكلية، ولا أرى قيمة لاعتماد يُمنح لأن ملفاته مكتملة بينما الممارسة الأكاديمية تعاني من أوجه قصور جوهرية. فالجودة الحقيقية ليست استمارات تُملأ، ولا جداول تُنسق، ولا ملفات تُرص على الأرفف، وإنما هي عضو هيئة تدريس مؤهل، ومقرر دراسي متطور، وبحث علمي جاد، وطالب يكتسب علمًا ومهارة، وخريج يفرض احترامه بكفاءته.

أما إذا أصبحت الجودة مجرد صناعة للورق، فإنها تتحول إلى غاية في ذاتها، بينما يظل التعليم الحقيقي بعيدًا عن أي تطوير.

ولذلك فإنني لا أقيس جودة أي برنامج بشهادة اعتماد معلقة على الجدار، وإنما بما يقدمه من تعليم حقيقي، وبما يصنعه من خريجين قادرين على المنافسة، وبما يتركه من أثر علمي ومعرفي في المجتمع. فهذه هي الجودة التي أؤمن بها، وما عداها فلا أراه إلا مظهرًا قد يخدع العين، لكنه لا يغير الواقع.