2026-08-22

التمثيل... مهنة من لا مهنة له

 

د. محمد الشافعي

إذا كان الغناء قد جعلني أتساءل عن الحدود الفاصلة بين الأداء والفن، فإن التمثيل يجعلني أكثر حسمًا في موقفي.

لطالما قلت إن التمثيل مهنة من لا مهنة له، وهي عبارة قد تبدو قاسية، وربما مستفزة، لكنها تعبّر عن قناعة شخصية راسخة لديّ، لا عن رغبة في الإساءة إلى أحد.

أنا ببساطة لا أرى في التمثيل تلك القدرات الاستثنائية التي تجعلني أضعه في مرتبة الفنون التي أعترف بها.

فأي شخص يستطيع أن يمثل، في رأيي.

المسألة في النهاية تبدأ من سيناريو مكتوب، يحفظه الممثل، ثم يقف أمام الكاميرا ويؤدي ما كُتب له، بينما يوجد المخرج ليوجهه وفقًا للنص والمشهد. أين يقف؟ كيف يتحرك؟ متى ينفعل؟ كيف يقول الجملة؟ كل ذلك يدخل في دائرة التوجيه والإخراج.

ثم تأتي الكاميرا لتختار الزاوية المناسبة، ويأتي المونتاج ليعيد ترتيب المشاهد، وتأتي المؤثرات والموسيقى والإضاءة وكل الأدوات الأخرى لتشارك في صناعة الصورة النهائية.

فإذا كان كل هذا حاضرًا، فأين الممثل الذي يصنع الفن من ذاته؟

أنا لا أنكر أن هناك فروقًا في القدرة على الأداء، ولا أنكر أن بعض الأشخاص أكثر قبولًا أمام الكاميرا من غيرهم، لكنني لا أرى أن مجرد القدرة على حفظ السيناريو وتنفيذ تعليمات المخرج تكفي لكي نمنح صاحبها لقب فنان.

والأغرب من ذلك أننا أصبحنا نخلط بين الشهرة والموهبة.

الممثل الذي يظهر كثيرًا يصبح نجمًا، والنجم يصبح فنانًا، ثم يصبح الفنان في نظر الجمهور موهبة لا تُناقش.

أما أنا، فلا أرى على الساحة الآن ممثلًا موهوبًا بالمعنى الحقيقي الذي أبحث عنه.

الجميع موهوم، والجميع يأكلون عيشًا ليس أكثر.

ولعل من أبرز ما يؤكد وجهة نظري ما يُقدَّم من خلال مسرح مصر؛ فمجرد الوقوف على خشبة المسرح، وإلقاء جملة تثير الضحك، والحصول على تصفيق الجمهور، لا يجعل الإنسان ممثلًا موهوبًا، كما أن الشهرة لا تمنح الموهبة لمن لا يملكها.

قد يختلف معي البعض، وقد يرون في التمثيل فنًا عظيمًا، وقد يجدون في بعض الممثلين ما لا أراه أنا.

وهذا كله حقهم.

لكنني أتحدث هنا عن رؤيتي الشخصية للفن، وعن المعايير التي أضعها أنا حين أقرر ما إذا كان العمل يستحق أن يحمل هذا الاسم أم لا.

الفن عندي ليس مجرد مهنة تُمارس، ولا مجرد حرفة يتعلمها الإنسان، ولا مجرد قدرة على الوقوف أمام الناس.

الفن الحقيقي، في تصوري، هو أن تمتلك موهبة استثنائية، وأن تخلق شيئًا يحمل بصمتك، وأن يكون في عملك من روحك ما يجعل من الصعب أن يقوم به أي شخص آخر بالسهولة نفسها.

أما أن تحفظ، وتؤدي، وتنفذ تعليمات المخرج، ثم تقف أمام الكاميرا، فلا أرى أن ذلك وحده يصنع فنانًا.

ولهذا أظل على موقفي:

ليس كل من وقف أمام الكاميرا ممثلًا، وليس كل من اشتهر موهوبًا، وليس كل ما يلقى رواجًا فنًّا.

وقد يكون هذا الرأي قاسيًا، لكنه رأيي، وأنا لا أرى ضرورة لأن نخفف من قناعاتنا فقط لأنها لا تعجب الآخرين.