2026-06-24

لأنك تُحَب

 

دكتور محمد الشافعي 

بين من يحبك لأنك تُحَب، ومن يكرهك لأنك تُحَب

في الحياة نلتقي بأصناف شتى من الناس، تختلف دوافعهم وتتنوع مشاعرهم، لكن يبقى أكثر ما يلفت الانتباه أن بعض الناس يحبونك لأنك ببساطة إنسان جدير بالمحبة، بينما يكرهك آخرون للسبب نفسه.

هناك أناس يمتلكون قلوبًا نقية، فإذا رأوا شخصًا يحظى باحترام الآخرين وتقديرهم، فرحوا له كما يفرحون لأنفسهم. لا يشعرون بأن نجاحه ينتقص من نجاحهم، ولا يرون في محبة الناس له تهديدًا لمكانتهم. هؤلاء يدركون أن المحبة رزق، وأن القلوب لا تجتمع على شخص إلا لما فيه من خصال حسنة أو مواقف نبيلة أو معاملة طيبة. ولذلك يبادلون المحبوب وُدًّا بود، واحترامًا باحترام، فتتسع دائرة المودة بين الناس.

وفي المقابل، هناك من تضيق نفوسهم برؤية إنسان يحظى بالقبول. فكلما رأوا الناس تلتف حوله، ازداد في صدورهم الضيق. لا يبحثون عن عيوبه لأنهم يريدون الإصلاح، بل لأنهم يريدون هدم الصورة الجميلة التي رسمتها له القلوب. يزعجهم أن يُذكر بخير، ويؤلمهم أن يُشاد به، فيتحول نجاحه عندهم إلى تهمة، ومحبته إلى ذنب، وتميزه إلى سبب للعداء.

والحقيقة أن المشكلة هنا لا تكون في الشخص المحبوب، بل في النفوس التي لم تتصالح مع ذاتها. فالإنسان الواثق من نفسه لا تؤذيه نجاحات الآخرين، ولا تزعجه مكانتهم، بل ربما وجد فيها دافعًا للتطوير والتعلم. أما من امتلأ قلبه بالحسد والمقارنات المستمرة، فإنه يرى في كل نجاح لغيره خسارة له، وفي كل محبة ينالها الآخرون حرمانًا شخصيًا.

ومن حكمة الحياة أن الإنسان لا يستطيع أن يجمع الناس جميعًا على حبه، مهما بلغت أخلاقه أو حسنت نواياه. فحتى أكثر الشخصيات احترامًا عبر التاريخ كان لها محبون وكارهون. لذلك لا ينبغي أن ينشغل المرء كثيرًا بمن يكرهه بلا سبب، بقدر ما ينبغي أن يحافظ على استقامته وأخلاقه وصدقه مع نفسه.

إن محبة الناس نعمة جميلة، لكنها ليست المقياس الوحيد لقيمة الإنسان. أما الكراهية التي تنشأ فقط لأن الآخرين يحبونك، فهي في الغالب تعبير عن أزمة داخل صاحبها أكثر مما هي حكم عليك. ولهذا فإن أفضل ما يمكن للمرء أن يفعله هو أن يستمر في طريقه، محافظًا على خلقه، مترفعًا عن الصغائر، مؤمنًا بأن القلوب الصادقة تعرف طريقها إلى أصحاب النفوس الطيبة، وأن الشمس لا تتوقف عن الإشراق لأن بعضهم يضيق بنورها.