2026-05-22

النفوس لا تتغير


دكتور محمد الشافعي 

في حياة الناس حقائق لا تتبدل مهما تغيّرت الوجوه وتزيّنت الكلمات، فالأصل يبقى ظاهرًا في السلوك، والطبع يفضح صاحبه ولو حاول الاحتماء خلف ألف قناع. ولهذا قال الحكماء قديمًا: «هيهات تجني سكرًا من حنظل»، لأن الأشياء تعود دائمًا إلى جوهرها، كما يعود الماء إلى منبعه، وكما تكشف الأيام معادن البشر على حقيقتها دون رتوش أو ادعاءات.

فالإنسان قد ينجح أحيانًا في تجميل صورته أمام الآخرين، وقد يتقن فنون الحديث والمجاملة، لكن الطباع الراسخة لا تلبث أن تظهر عند أول اختبار حقيقي. فمن تربّى على الصدق تجده صادقًا حتى في غياب الرقيب، ومن امتلأ قلبه بالنقاء يفيض خيره على من حوله دون تكلّف، أما صاحب النفس السيئة فإن سوء طبعه يتسرّب من كلماته وتصرفاته مهما حاول التظاهر بالأدب أو المثالية.

ولهذا قيل: «إذا كان الطباع طباع سوءٍ فلا أدب يفيد ولا أديب». فالأدب الحقيقي ليس كلمات منمّقة تُقال، بل أخلاق مستقرة في النفس تظهر في المواقف الصعبة قبل السهلة. كم من إنسان يحمل شهادات وثقافات واسعة لكنه يفتقر إلى الرحمة والوفاء والصدق، وكم من بسيطٍ في تعليمه لكنه كريم النفس، طيب القلب، يترك أثرًا طيبًا في كل من يقترب منه. فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يدّعيه، بل فيما يفعله حين تتعرّى المجاملات وتسقط الأقنعة.

والمرء في النهاية يُعرف بين الناس بفعله لا بمظهره، وبأثره لا بصوته المرتفع. فالأخلاق هي السيرة التي تسبق صاحبها، وهي الإرث الذي يبقى بعد غيابه. الإنسان الكريم تظهر كرامته في تسامحه، وفي وفائه، وفي حفظه لحقوق الآخرين، أما صاحب النفس الدنيئة فمهما تظاهر بالرقي تكشفه المواقف الصغيرة قبل الكبيرة.

إن الزمن كفيل بأن يكشف النفوس، وأن يضع كل إنسان في مكانه الحقيقي، لذلك كان من الحكمة ألا ننخدع بالمظاهر أو بالكلمات العابرة، بل ننظر إلى الأفعال والمواقف؛ فهناك فقط تظهر الحقيقة كاملة، وهناك فقط نعرف معدن الإنسان وأصله.