دكتور محمد الشافعي
ليس الجمال الحقيقي ما تصنعه المساحيق، ولا ما ترسمه الأزياء، ولا ما تمنحه المظاهر العابرة من بريق مؤقت. فهناك جمال أعمق وأصدق، لا تلتقطه العدسات بسهولة، ولا يمكن اقتناؤه بالمال أو اكتسابه بالتكلف، إنه الجمال الذي ينبع من الداخل، من القلب حين يكون نقيًّا عامرًا بالمحبة والخير والصدق.
ولعل من أصدق العبارات التي قيلت في هذا المعنى: "كلُّ إنسانٍ له طلّةٌ تشبه قلبهُ، مَن طابَ قلبهُ، طابَت ملامِحهُ دون أن يتجمّل." فالقلب ليس مجرد عضو يضخ الدم في الجسد، بل هو مصدر المشاعر والأخلاق والانفعالات، وما يختزنه من صفاء أو كدر ينعكس على الوجه والهيئة والسلوك.
إن الإنسان الطيب قد لا يكون صاحب ملامح مثالية وفق مقاييس الجمال المتغيرة، لكنه يمتلك حضورًا خاصًّا يبعث الراحة في نفوس من حوله. ترى في عينيه صدقًا، وفي ابتسامته دفئًا، وفي حديثه لطفًا، فتشعر تجاهه بالألفة حتى قبل أن تعرفه. وكأن القلب الطيب يرسل رسائله الصامتة إلى الآخرين عبر تفاصيل الوجه ونبرات الصوت وحركات الجسد.
وعلى النقيض من ذلك، قد يمتلك بعض الناس قدرًا كبيرًا من الوسامة أو الجمال الظاهري، لكن القسوة والحسد وسوء النية تترك آثارها مع مرور الزمن على ملامحهم. فالنفوس المظلمة تسرق من أصحابها إشراقة الوجه، مهما حاولوا إخفاء ذلك خلف الأقنعة المختلفة. إذ لا يستطيع الإنسان أن يخفي حقيقة قلبه إلى الأبد، لأن الطباع تتسرب دائمًا إلى الملامح، وتفضحها التصرفات والمواقف.
ومن يتأمل وجوه الكبار الذين أفنوا أعمارهم في الخير والعطاء، يجد فيها سكينة عجيبة وجمالًا هادئًا لا علاقة له بالعمر أو الشكل. إنها آثار سنوات من التسامح والرحمة والرضا. فالقلوب المطمئنة تمنح أصحابها نورًا معنويًّا يجعلهم أكثر قبولًا ومحبة في أعين الناس.
لذلك فإن أجمل ما يمكن أن يعتني به الإنسان ليس مظهره الخارجي فحسب، بل قلبه قبل كل شيء. فتهذيب النفس، وحسن الظن بالناس، والابتعاد عن الأحقاد، وممارسة الرحمة والصدق، كلها أمور تصنع جمالًا لا يذبل مع الزمن. بل إن هذا الجمال يزداد رسوخًا كلما تقدمت السنوات وتبدلت الملامح.
إن الوجوه مرايا للقلوب، وما يستقر في الداخل يجد طريقه حتمًا إلى الخارج. ومن أراد طلّةً جميلةً حقًّا، فليجعل قلبه جميلًا أولًا؛ لأن القلب الطيب لا يكتفي بأن يجمّل صاحبه، بل يجمّل العالم من حوله أيضًا.
