2026-07-23

الأثر لا الشهرة

 

دكتور محمد الشافعي 

 حين يعرف الإنسان حجم دوره

من أكثر ما يُفسد الإنسان أن ينسى حقيقة موقعه في هذه الحياة، وأن يتوهم أن الشهرة تمنحه قيمة مطلقة، أو أن التصفيق يرفعه فوق سائر الناس. 

ولعل من أجمل الدروس التي تُروى في هذا السياق ما نُسب إلى المدرب مانويل جوزيه حين وبَّخ  اللاعب عماد متعب قائلاً إن لاعب الكرة، والمدرب كذلك، ليسا طبيبًا يعالج المرضى، ولا معلمًا يصنع العقول، ولا مهندسًا يعمر الأرض، وإنما يؤديان دورًا يشبه دور العامل في السيرك؛ مهمتهما أن يوفرا للناس قدرًا من المتعة، ثم يعود الجمهور إلى أعماله التي تقوم عليها الحياة.

وسواء صحت الرواية بحروفها أم لم تصح، فإن المعنى الذي تحمله يستحق التأمل. فالمجتمعات لا تنهض بالتصفيق، وإنما تنهض بالعلم، والعمل، والإنتاج، والإبداع، والبحث، والتعليم، والطب، والصناعة، والزراعة، وكل جهد يضيف إلى الإنسان شيئًا جديدًا.

إن الرياضة نشاط راقٍ، وهي وسيلة لبناء الأجسام، وغرس روح المنافسة والانضباط، وإدخال البهجة إلى النفوس، ولا يستطيع منصف أن ينكر أثرها الاجتماعي والاقتصادي. لكن الخطأ يبدأ حين تتحول من وسيلة إلى غاية، ومن لون من ألوان الترفيه إلى مقياس لقيمة الإنسان، فيصبح اللاعب عند بعض الناس أعظم شأنًا من العالم، وأكثر تأثيرًا من المعلم، وأعلى منزلة من الطبيب.

إن الحضارات لم يكتبها أصحاب الأقدام، وإنما كتبها أصحاب العقول. ولم تحفظ الأمم أسماءها لأن لاعبًا سجل هدفًا، بل لأنها أنجبت علماء كشفوا أسرار الكون، ومهندسين شيدوا العمران، وأطباء أنقذوا الأرواح، ومفكرين صنعوا الوعي، ومعلمين غرسوا المعرفة في الأجيال.

وهذا لا ينتقص من قدر الرياضي، كما لا ينتقص من قدر الفنان أو الأديب، وإنما يضع كل إنسان في موضعه الصحيح. فكل مهنة شريفة ما دامت تؤدى بإخلاص، غير أن قيمة المهنة تُقاس بما تضيفه إلى حياة الناس، وبما تتركه من أثر باقٍ بعد انطفاء الأضواء.

ولعل أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان هو التواضع. فالمتواضع يدرك أن النجاح نعمة لا مبررًا للتكبر، وأن الشهرة قد تزول في لحظة، أما العلم النافع، والعمل الصالح، والأثر الطيب، فهي الباقيات التي لا يطويها الزمن بسهولة.

إن أخطر أنواع الغرور هو أن يصدق الإنسان الهتاف الذي يسمعه من الجماهير، فيظن أنه صار أكبر من رسالته، وأعظم من غيره. والحقيقة أن كل إنسان، مهما علا شأنه، يؤدي دورًا محدودًا في مسرح الحياة، وأن المجتمع لا يقوم على نجم واحد، بل على ملايين المخلصين الذين يعملون في صمت، فلا تلتقطهم الكاميرات، ولا تتصدر صورهم العناوين، لكنهم هم الذين يحملون الحياة على أكتافهم.

إن احترام الإنسان لنفسه لا يكون بتضخيم مكانته، بل بمعرفة قدرها الحقيقي. فمن عرف حجم دوره، وأداه بإتقان، وأخلص فيه، فقد أدى رسالته على أكمل وجه، سواء كان طبيبًا، أو معلمًا، أو عاملًا، أو رياضيًا، أو فنانًا. فالمجد الحقيقي ليس في كثرة الأضواء التي تحيط بالإنسان، وإنما في مقدار النور الذي يتركه خلفه.