2026-07-18

إعلام المصاطب




 

دكتور محمد الشافعي 

في بلادٍ كثيرة، إذا لمع نجم لاعبٍ في الملاعب، انصرف الإعلام إلى الحديث عن أهدافه، وخطط مدربه، ومستواه الفني، وأرقامه القياسية، ومستقبله الرياضي. أما عندنا، فبمجرد أن يسطع اسمه، تبدأ رحلة استكشافية لا علاقة لها بكرة القدم ولا بالرياضة.

فجأةً يصبح الطريق إلى الشهرة معبَّدًا بأبواب الجيران، ومقاعد المقاهي، ودكاكين البقالة، وأحاديث الخالات والعمات، وكأن الجماهير لن تكتمل سعادتها إلا إذا عرفت لون الستائر في بيت اللاعب، وما كان يشتريه من البقال وهو في الصف الابتدائي!

يخرج المراسل بكل حماسةٍ باحثًا عن أي إنسانٍ جمعته باللاعب لحظة عابرة؛ فيقف أمام منزل الأسرة، ثم ينتقل إلى الجيران، ثم إلى زميل الدراسة، ثم إلى صاحب المخبز، وربما لو استطاع لأجرى حوارًا مع شجرةٍ كانت تظلله في طفولته!

والمفارقة أن كل هذه اللقاءات تُقدَّم باعتبارها "سبقًا إعلاميًا"، بينما هي في حقيقتها اجتهادٌ في التنقيب عن التفاصيل التي لا تضيف إلى المشاهد معرفة، ولا إلى الرياضة قيمة، ولا إلى الإعلام احترامًا.

لقد أصبح بعض الإعلاميين يتعاملون مع الشهرة كما يتعامل المنقِّب عن الآثار؛ يحفر في كل زاوية، ويقلب كل حجر، ويستخرج كل رواية، سواء كانت ذات معنى أم مجرد حكاية تُروى لملء دقائق البث. المهم أن تستمر الكاميرا في الدوران، وأن يبقى الضجيج قائمًا، ولو على حساب الذوق العام.

هذه ليست صحافةً، وإنما امتدادٌ لموروث جلسات المصاطب؛ حيث تتداخل الأخبار بالشائعات، وتمتزج الحقيقة بالظنون، ويصبح الفضول فضيلة، والتلصص مهارة، والنبش في خصوصيات الناس نوعًا من الترفيه الجماعي.

إن الإعلام الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الأبواب التي طرقها، ولا بعدد الأقارب الذين استضافهم، وإنما بقدرته على تقديم معلومة نافعة، أو تحليل رصين، أو رؤية تثري وعي الجمهور.

أما تحويل كل ناجح إلى مشروعٍ مفتوح للتفتيش الاجتماعي، فليس احتفاءً بالنجاح، بل اعتداءٌ ناعم على الخصوصية، وإهدارٌ لفكرة أن الإنسان يُقاس بإنجازه لا بعدد من يعرفونه.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: لماذا نظن أن معرفة اسم البقال الذي كان يشتري منه اللاعب ستجعلنا نفهم سبب تسجيله للأهداف؟ ولماذا نتخيل أن مقابلة الجار ستكشف سر الموهبة؟ وهل أصبحت الكرة تُلعَب في الشارع المجاور لمنزل اللاعب، لا في المستطيل الأخضر؟

إن الأمم التي تحترم إعلامها تجعل الكاميرا تتجه إلى الحدث، أما حين تضيع البوصلة، فإنها تتجه إلى كل شيء... إلا الحدث نفسه.

ولذلك، فإن أكثر ما يحتاجه بعض إعلامنا اليوم ليس كاميرات أحدث، ولا ميكروفونات أكثر، وإنما قدرٌ أكبر من المهنية، وشيءٌ أقل من فضول المصاطب؛ فليس كل ما يمكن تصويره يستحق أن يُصوَّر، وليس كل ما يُعرَف يُقال.