2026-08-08

الشهادة لا تكفي

 


د. محمد الشافعي

حين تكون الشهادة أعلى من صاحبها

ثمة وهم شائع يخلط بين التعليم والثقافة، وبين الشهادة والعقل، حتى أصبح اللقب الأكاديمي عند بعض الناس وكأنه دليل نهائي على عمق الفكر وسلامة الرؤية. والحقيقة أن الشهادة تخبرك بما درسه صاحبها، لكنها لا تخبرك بالضرورة بما فهمه، ولا بما أضافته المعرفة إلى عقله وشخصيته.

قد يحمل الإنسان ماجستيرًا أو دكتوراه، ويملك قدرًا كبيرًا من المعلومات، لكنه يفتقر إلى القدرة على التحليل والنقد والربط بين الأشياء، أو يظل أسيرًا لما تعلمه دون أن يمتلك القدرة على التفكير خارجه.

وقد تكون الشهادة عظيمة، بينما صاحبها أقل من عظمتها.

وفي المقابل، قد تجد إنسانًا لم يزدان اسمه بالألقاب، لكنه يمتلك عقلًا يقظًا؛ يقرأ، ويسأل، ويحلل، ولا يقبل الفكرة لمجرد أن قائلها صاحب مكانة، ولا يرفضها لمجرد أنها تخالف ما اعتاده.

وهذا لا يعني، بالطبع، الانتقاص من قيمة التعليم والشهادات. فالتعليم الجاد من أعظم ما يصقل الإنسان، ويوسع مداركه، ويمنحه أدوات البحث والتفكير. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشهادة من وسيلة للمعرفة إلى غاية، ومن دليل على الدراسة إلى ادعاء بامتلاك الحقيقة.

فليس المهم كم شهادة تحمل، وإنما ماذا فعلت بك هذه الشهادات.

هل جعلتك أكثر تواضعًا أمام اتساع المعرفة؟ هل علمتك أن تقول «لا أعرف» حين لا تعرف؟ هل جعلتك قادرًا على مراجعة أفكارك، والتمييز بين الحقيقة والرأي، وبين الدليل والانطباع؟

ولعل عباس محمود العقاد مثال بارز على أن قوة العقل لا تُقاس بعدد الألقاب الأكاديمية؛ فقد استطاع بعصاميته وقراءاته الواسعة وعقله النقدي أن يصنع لنفسه مكانة فكرية كبيرة.

لكن علينا أيضًا ألا نقلب المعادلة؛ فغياب الشهادة لا يصنع المفكر بالضرورة، كما أن امتلاكها لا يصنع المثقف بالضرورة.

فالثقافة ليست عدد الكتب التي قرأتها، ولا عدد الشهادات المعلقة على الجدران، وإنما هي أن تفهم قبل أن تحكم، وتسأل قبل أن تجزم، وتراجع أفكارك قبل أن تطلب من الآخرين مراجعة أفكارهم.

والعلم الحقيقي لا يجعلك تظن أنك تعرف كل شيء، بل يجعلك أكثر إدراكًا لما تجهله.

وهنا يكمن الفارق بين إنسان يحمل شهادة، وإنسان تحمل الشهادة في عقله أثرًا.

الأول يمتلك ورقة تثبت أنه تعلّم، أما الثاني فتستطيع أن تعرف أنه تعلّم من طريقة تفكيره.

فليس كل متعلم مثقفًا، وليس كل مثقف مفكرًا، وليس كل صاحب شهادة عالمًا...

وليس كل عارفٍ عارفًا.