2026-07-18

أمس لا يمضي



 

دكتور محمد الشافعي 

حين يوقظنا الماضي

ثمة لحظات لا تحتاج إلى ضجيج كي تهز الإنسان من أعماقه. لحظات يأتي فيها الليل ساكنًا، ويستسلم المكان للصمت، فلا يبقى في الغرفة إلا أنفاسك، ودقات قلبك، وذاكرة تأبى أن تنام. عندها يبدأ الماضي في طرق الأبواب برفق، لا ليستأذن الدخول، بل لأنه يعلم أن القلب لم يغلقها يومًا.

هناك، بعد منتصف الليل، يتسلل شريط الذكريات كأنه مشهد قديم أُعيد ترميمه بعناية. ترى نفسك طفلًا تركض في الأزقة بلا همّ، وتضحك من قلبك لأسباب لا تتذكرها، وتعود إلى بيتٍ كانت الطمأنينة تملأ أركانه أكثر مما تملؤه الأثاث. تستعيد وجوهًا غابت، وأصواتًا صمتت، وروائح أماكن لم تعد كما كانت، فتدرك أن الزمن لا يسرق الأعمار فحسب، بل يسرق أيضًا بساطة الشعور.

العجيب أن الإنسان لا يشتاق إلى الماضي لأنه كان كاملًا؛ فالماضي لم يكن يخلو من المتاعب، ولم تكن أيام الطفولة خالية من الدموع أو الخوف أو العقاب. لكنه يشتاق إلى القلب الذي كان يحيا تلك الأيام. يشتاق إلى نفسه حين كانت الأحلام صغيرة لكنها تكفي، وحين كانت السعادة تأتي من لعبة متواضعة، أو نزهة قصيرة، أو جلسة عائلية لا يدرك قيمتها إلا بعد أن تصبح ذكرى.

نحن لا نبكي زمناً مثالياً خالياً من الألم أو المتاعب، بل نشتاق لنسختنا القديمة، لقلوبنا التي كانت ترضى بالقليل وتفرح بأبسط الأشياء.

ومع مرور السنين، تتبدل الملامح، وتتزاحم المسؤوليات، وتثقل الأرواح بما حملته الحياة من خيبات وخسارات. يصبح الإنسان أكثر خبرة، لكنه أقل دهشة، وأكثر معرفة، لكنه أقل فرحًا. يربح أشياء كثيرة، لكنه يكتشف متأخرًا أنه فقد أشياء لم يكن يظن أنها تُفقد أصلًا؛ فقد خفة الروح، وعفوية الضحكة، وسلام القلب.

وفي تلك الليالي الطويلة، لا يبكي الإنسان عمرًا مضى، بل يبكي نفسه التي بقيت هناك، في زاوية من الزمن، تنتظر أن يعود إليها ولو ليوم واحد. لكنه يعلم في قرارة نفسه أن الزمن لا يعود، وأن الطفولة وطن إذا غادرناه فلن نسكنه مرة أخرى، وإنما نزوره في الأحلام والذكريات.

ومع ذلك، فإن الذكريات ليست لعنة كما يظن البعض، بل هي شهادة على أننا عشنا أيامًا تستحق أن تُفتقد. وما دام القلب قادرًا على تذكر الجمال، فهو لا يزال قادرًا على صناعته من جديد، وإن اختلف شكله. فالحياة لا تمنحنا طفولة ثانية، لكنها تمنحنا فرصة أن نحيا بما بقي في داخلنا من نقاء تلك الطفولة.

لذلك، إذا باغتك الماضي ذات ليلة، فلا تطرده، ولا تستسلم له تمامًا. أنصت إليه، واشكره على ما تركه في روحك من دفء، ثم أغلق نافذة الذكرى برفق، وافتح نافذة الغد. فليس أجمل من الذكريات إلا أن نصنع ذكريات جديدة، لعلنا بعد أعوام، وفي ليلة أخرى، نبتسم ونحن نسترجع أيامنا هذه كما نسترجع طفولتنا اليوم.