2026-05-28

القلوب الرحيمة

 

مهندس عاصم شاكر 

هناك أناس يمرّون في حياتنا كأنهم رحمةٌ تمشي على الأرض، لا تُعرف أقدارهم بكثرة الكلام، ولا تُقاس عظمتهم بما يملكون، بل بما يحملونه في صدورهم من قلوبٍ رحيمةٍ نقية، تعرف معنى الإنسانية الحقيقي، وتدرك أن أعظم القوة ليست في البطش، بل في القدرة على الرفق والتسامح وجبر الخواطر.

أصحاب القلوب الرحيمة هم أولئك الذين يقفون دائمًا خلف الضعفاء، لا طلبًا لمدحٍ أو شهرة، بل لأن ضمائرهم لا تسمح لهم أن يروا مكسورًا دون سند، أو حزينًا دون مواساة، أو محتاجًا دون عون. تراهم يمدّون أيديهم للناس في الخفاء، يساعدون ويتجاوزون ويحتملون، وكأن الخير جزءٌ أصيل من تكوينهم لا يستطيعون الفكاك منه.

هم الذين يفعلون المعروف ثم ينسحبون في هدوء، لا ينتظرون شكرًا ولا مكافأة، ولا يعلّقون أياديهم في أعناق الناس بمنّةٍ أو تذكير. يؤمنون أن ما عند الله أبقى، وأن أجمل ما يفعله الإنسان أن يترك أثرًا طيبًا في القلوب دون ضجيج.

وما أعظم رحمتهم حين يمتلكون القدرة على الرد والإساءة ثم يختارون العفو. قد يُساء إليهم، وقد يقابلهم البعض بالجفاء أو النكران، لكنهم لا ينحدرون إلى القسوة، ولا يجعلون الأذى يغيّر صفاء أرواحهم. يردّون الإساءة بالحلم، والجفاء بالصبر، وربما بالدعاء الطيب أيضًا، لأن نفوسهم أكبر من أن تتلوث بالكراهية.

إن الرحمة ليست ضعفًا كما يظن البعض، بل هي منزلة لا يصل إليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. فالإنسان القاسي يستطيع أن يؤذي بسهولة، أما الإنسان الرحيم فهو الذي يملك نفسه عند الغضب، ويملك قلبًا لا يعرف التشفي، حتى ممن ظلموه.

ولعل أجمل ما في أصحاب القلوب الرحيمة أنهم يخففون قسوة الدنيا على من حولهم. وجودهم وحده طمأنينة، وكلماتهم سكينة، وأفعالهم نورٌ خفيّ يعيد للناس إيمانهم بالخير وسط زحام القسوة والمصالح.

فهنيئًا لمن رزقه الله قلبًا رحيمًا، لا يحمل الحقد، ولا يتلذذ بإيذاء الآخرين، ولا يستقوي على ضعيف. فهذه القلوب النقية هي من أجمل النعم التي قد يلقاها الإنسان في حياته، وهي التي تترك الأثر الطيب حتى بعد الرحيل.