دكتور محمد الشافعي
لم يعد مرتب عضو هيئة التدريس في مصر مجرد مسألة ضعف دخل، بل تحوّل إلى أزمة حقيقية تمس كرامة المهنة وقيمة العلم في المجتمع. سنوات طويلة من الدراسة والبحث، تبدأ بالليسانس أو البكالوريوس، ثم الماجستير والدكتوراه، مرورًا بالأبحاث والتدريس والإشراف العلمي واللجان والتصحيح، تنتهي في واقع مؤلم يتمثل في راتب لا يكفي لتغطية أساسيات الحياة، ولا يواكب الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الكريمة.
المشكلة لم تعد شأنًا فرديًا أو شكوى شخصية، بل أصبحت قضية تمس مكانة الأستاذ الجامعي ذاته، وتمثل إهانة غير مباشرة لمهنة يُفترض أنها تصنع العقول وتبني الأجيال وتصوغ مستقبل الوطن. فكيف يمكن أن نطالب الأستاذ الجامعي بالإبداع والابتكار والبحث العلمي المتقدم، وهو يعيش يوميًا تحت ضغط القلق المادي، ويشغل فكره التفكير في تدبير احتياجات بيته قبل تدبير احتياجات طلابه وأبحاثه؟ وكيف يمكن أن نحاسبه على جودة الأداء العلمي والتعليمي في ظل غياب الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي الذي يضمن له حياة كريمة تليق بمكانته العلمية؟
إن ما يحدث لا يمثل ظلمًا لأعضاء هيئة التدريس فحسب، بل يُعد إهدارًا لقيمة العلم نفسها، لأن الأستاذ الجامعي حين يُثقل بالديون والضغوط والالتزامات المعيشية، فإن انعكاس ذلك لا يتوقف عنده وحده، بل يمتد إلى الطالب الذي يتلقى علمًا في بيئة مضطربة، وإلى الجامعة التي تفقد تدريجيًا هيبتها، وإلى المجتمع الذي يخسر أهم ركائزه الفكرية والعلمية.
إن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس ليس رفاهية، ولا مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل ضرورة وطنية حقيقية، تهدف إلى الحفاظ على مكانة الجامعة المصرية واستعادة احترام المجتمع للعلم وأهله. فالأستاذ الجامعي ليس موظفًا عاديًا، بل هو صانع وعي وبانٍ للأجيال، وأي مجتمع يسعى إلى التقدم لا يمكنه أن ينهض بينما حاملو العلم فيه يعانون من ضيق العيش وقلة التقدير.
إن إعادة الاعتبار المادي والمعنوي للأستاذ الجامعي تمثل خطوة أساسية في طريق إصلاح التعليم العالي، لأنها تعني ببساطة إعادة الاعتبار للعلم ذاته، وترسيخ قناعة حقيقية بأن بناء الإنسان يبدأ من احترام من يعلّمه ويصوغ عقله ويقود فكره.


