كتب الأستاذ الدكتور أحمد عيسي
استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة
...........
عن السيدة الجليلة "هاجر" المصرية رضي الله عنها، أتحدث (٢):
أسلفنا فيما سبق عما احتملناه من دخول سيدنا إبراهيم عليه السلام مع رهطه الكريم إلى مصر خلال العام الأخير من حكم الملك أمنمحات الأول مؤسس الأسرة الثانية عشرة. ولهذا الملك الذي أسس عاصمة جديدة في اللشت ونقل عاصمة الأسرة الحادية عشرة من طيبة قصة غير عادية بدأها نص أدبي معاصر يصفه بأنه "إبن إمرأة من تا-ستي"، وهذه التسمية، بمعنى أرض الأقواس، تشير بعامة إلى بلاد النوبة، التي اشتهر محاربوها بمهارة القتال بالأقواس والسهام، وكأنه يذكره على أنه "إبن السوداء"، فلقد كان إبنا للملك منتوحتب الخامس آخر ملوك الأسرة الحادية عشرة من جارية نوبية، وقد منعته الأسرة لهذا السبب من حقه في ولاية العهد ونصبته وزيرا كلفته بأمور شاقة مثل حملات التحجير في صحراء جرداء تعرض اثناءها إلى بعض المخاطر، وهي مهام لم يكن يعهد بها لكبار الأمراء، ويبدو أنهم قد كلفوه كذلك بمهمة تأمين حدود مصر الشرقية بأسوار حامية ذات أبراج، لم يطلق عليها أسوار الملك، بل أسوار الأمير، نسبة اليه، وهكذا حاولوا بشتى الطرق إبعاده عن العاصمة وتكليفه بمهام شاقة لعله يهلك أثناءها، ولكنه كان قويا وعنيدا فلم تستطع العائلة المالكة حجبه عن العرش بعد وفاة والده، فتولاه برغم نقمتهم عليه، ولم يلبث أن ترك لهم طيبة كلها ورحل بزوجاته وأولاده إلى منطقة الفيوم بالقرب من عاصمته الجديدة "اللشت" واتخذ فيها القصور والاستراحات والمزارع الشاسعة وإستصلح الكثير من الأراضي وأقام الجسور والقنوات، ولكن صفة "إبن السوداء" ظلت، فيما يظن، ملتصقة به بين مقربي بلاطه ينعتونه بها فيما بينهم وبين أنفسهم.
وكان اللقاء بالصدفة أو بالإستدعاء بين هذا الملك المجروح بلونه وجنس أمه وبين الخليل إبراهيم وزوجته ساره (الشقراء غالبا) وجميلة زمانها أصلا، ولما اخبره خليل الرحمن بأنها "أخته" (ليس كذبا، وإنما بنيته الصادقة أنها أخته في الإسلام) طلب إستضافتها في قصره تكريما له ولها، وخصص لها مرافقة شابة مصرية صغيرة لطيفة من وصيفات الحريم الملكي تدعى "هاجر"، ولم يلبث أن طمع في السيدة سارة وحاول التقرب منها عدة مرات رضاءا، أو غصبا، فشلت يده ومنعها الله سبحانه وتعالى منه، ولاحظ أثناء ذلك قرب وصيفتها منها، والتي كانت شاهدة على ما يحدث، ودخل الإيمان في قلبها مما شاهدته من حماية الله لحرم خليل الرحمن، التي ربما كانت قد اسرت لها بأنها زوجته وليست أخته.
وهكذا إستيأس الملك من سارة فأطلقها ورأى تكريمها بأن وهبها وصيفتها "هاجر" المصرية القريبة من قلبها، وبعد هذه الحادثة قرر سيدنا إبراهيم الرحيل والعودة بسلام مع رهطه إلى أراضيه؛ ولكن أمنمحات لم يمر عليه هو الآخر ذلك الموقف بسلام، فاجتمعت عليه زوجاته ولم يعجبهن أن إبن السوداء اللائي لم يكن راضيات أو قابلات به أصلا قد زهد فيهن من أجل الشامية الجميلة، ومن ثم انتهزوا فرصة غياب ولده الأكبر وولي عهده، الملك سنوسرت الأول، الذي كان قد أشركه معه في الملك بالفعل قبل عدة سنوات، على رأس حملة عند الأراضي الليبية (أرض التمحو) فتواطأوا على قتله وقتلنه بالفعل، ونستكمل إن شاء الله.

