2026-08-17

لا تهتم

دكتور محمد الشافعي 

" لا تحاول تحسين صورتك لأحد ، كلنا عاديون في نظر من لا يعرفنا ، مغرورون في نظر من يكرهنا ، جيدون في نظر من يعرفنا ، رائعون في نظر من يحبنا "

.........

هذه العبارة تختصر فلسفة إنسانية عميقة، وتضع الإنسان أمام حقيقة غالبًا ما يغفل عنها وهو يسعى لإرضاء الآخرين. فمحاولة تحسين الصورة في أعين الناس جهد لا نهاية له، لأن العيون التي تنظر إلينا ليست واحدة، والمعايير التي تُقاس بها أفعالنا متباينة بتباين النفوس والخلفيات والتجارب.

فالإنسان في نظر من لا يعرفه شخص عادي، لا تميّزه سيرة ولا تُحيطه هالة، لأنه ببساطة لم يمنحه بعد فرصة الحضور في الذاكرة أو الوجدان. وفي نظر من يكرهه، يصبح مغرورًا مهما تواضع، ومخطئًا مهما أصاب، إذ إن الكراهية لا ترى الوقائع بل تفسّرها على هواها، وتحمّل الأفعال ما لا تحتمل. أما في نظر من يعرفه حق المعرفة، فتتضح الصورة أكثر عدلًا واتزانًا؛ تُرى العيوب كما هي، وتُقدَّر المزايا دون تهويل، فيكون الحكم أقرب إلى الحقيقة.

ويبقى أصدق الأحكام وأقربها إلى القلب هو حكم من يحبنا. فالمحب يرى فينا ما لا نراه أحيانًا في أنفسنا، ويلمس الجمال في تفاصيلنا الصغيرة، ويغفر الزلل، ويضخّم الفضائل، لا خداعًا بل بدافع القرب والود. عنده نصبح “رائعين” لأن الحب لا يقيس الناس بميزان صارم، بل ينظر إليهم بعين الرحمة والانتماء.

من هنا، يصبح السعي المحموم لتلميع الصورة أمام الجميع ضربًا من الوهم. فلا صورة واحدة ترضي كل الأذواق، ولا سلوك واحد ينجو من التأويل. الأجدر بالإنسان أن ينشغل بسلامه الداخلي، وأن يكون صادقًا مع نفسه، مستقيمًا مع قيمه، مطمئنًا إلى أن اختلاف نظرة الناس إليه أمر طبيعي لا يعيبه ولا ينقص منه. فحين تصفو علاقتنا بأنفسنا، تتضاءل حاجتنا إلى تصديق الآخرين، ونفهم أن قيمتنا الحقيقية لا تُستمد من كثرة الإعجاب، بل من عمق الصدق.