2026-06-24

"حين تتحول البديهيات إلى اكتشا

 




دكتور محمد الشافعي 

في عالم كرة القدم لا خلاف على أن الفوز هدف مشروع، بل هو الغاية التي تسعى إليها الفرق في كل مباراة وكل بطولة. فالانتصار يمنح الثقة، ويقرب من منصات التتويج، ويزرع البهجة في نفوس الجماهير. لكن اللافت للنظر أن بعض الانتصارات تتحول إلى حالة من الاحتفال المبالغ فيه، وكأن الفريق قد فتح القسطنطينية أو حقق إنجازاً غير مسبوق في تاريخ البشرية، فتتواصل الأفراح لساعات وأيام، ليس بين الجماهير فحسب، بل أحياناً بين اللاعبين أنفسهم بصورة تدعو إلى التأمل والتساؤل.

والحقيقة أن كرة القدم أصبحت محاطة بكم هائل من علامات الاستفهام والتعجب، ليس فقط فيما يتعلق بأحداث المباريات، بل كذلك بما يدور في الاستديوهات التحليلية قبل اللقاءات وبعدها، فضلاً عن التصريحات التي تصدر عن اللاعبين والمدربين. وكثير من هذه الأحاديث يكشف عن ضحالة في الفكر، وفقر في الثقافة، ومبالغات لا تتناسب مع حجم الحدث الحقيقي.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما قيل عقب إحدى المباريات، حين أجمع المحللون على أن الشوط الأول كان مغايراً تماماً للشوط الثاني. فقد ظهر الفريق بأداء ضعيف ومتواضع في البداية، ثم تبدل الحال كلياً بعد الاستراحة، وتحسن الأداء بصورة واضحة. وهنا انطلقت التساؤلات والتحليلات، وبدأت العقول تعمل في كل اتجاه بحثاً عن السر الكامن وراء هذا التحول المفاجئ.

راح المحللون يضربون أخماساً في أسداس، ويتساءلون عن التعليمات الفنية العبقرية التي ألقاها المدرب بين الشوطين، والتي قلبت الموازين وغيرت وجه المباراة. فمنهم من افترض أن المدرب أجرى تعديلاً تكتيكياً بالغ الدقة، ومنهم من ظن أنه نجح في قراءة أفكار المدرب المنافس ووضع خطة مضادة أربكت حساباته، وآخرون تحدثوا وكأنهم أمام اكتشاف علمي سيغير مفاهيم التدريب الحديثة.

بل إن بعضهم أوحى للمشاهدين بأنه يمتلك السبق في معرفة ما جرى داخل غرفة الملابس بين الشوطين، وأنه على وشك كشف أسرار النجاح التي صنعت هذا التحول الكبير.

لكن المفاجأة جاءت صادمة لكل هذا البناء النظري الضخم.

فحين سُئل عن حقيقة ما قيل للاعبين بين الشوطين، لم يكن الأمر تغييراً تكتيكياً معقداً، ولا خطة سرية محكمة، ولا قراءة استثنائية للمنافس. وإنما كانت الكلمات على النحو الآتي:

«العبوا رجالة... عاوزكم تاكلوا النجيلة... عاوزكم تفرحوا الجماهير دي... وما يروحوش زعلانين».

هكذا بكل بساطة.

وهنا يحق للمرء أن يتساءل: أين تلك العبقرية التدريبية التي شغلوا بها الناس؟ وأين تلك الأسرار الفنية التي استهلكت ساعات طويلة من التحليل والتفسير؟ وأين تلك النظريات التي نُسجت حول دقائق معدودة قضاها اللاعبون بين الشوطين؟

إن المشكلة ليست في كلمات التحفيز ذاتها، فهي مطلوبة في كل مجال، وإنما في حالة التهويل التي تحيط بكرة القدم، وفي الإصرار على صناعة بطولات وهمية وأحداث استثنائية من مواقف عادية للغاية. فبدلاً من التعامل مع اللعبة بوصفها نشاطاً رياضياً وترفيهياً، نجد من يحاول إحاطتها بهالة من القداسة الفكرية التي لا تستند في كثير من الأحيان إلى أي مضمون حقيقي.

ولذلك فإن بعض ما نشاهده في الاستديوهات التحليلية لا يكشف لنا عن أسرار كرة القدم بقدر ما يكشف عن أزمة في طريقة تناولها، حيث تتحول البديهيات إلى اكتشافات، والكلمات العادية إلى نظريات، والتصريحات البسيطة إلى مادة لا تنتهي من الجدل والتحليل.

وعند هذه النقطة أتوقف عن التعليق، وأترك للقارئ الكريم أن يصدر حكمه بنفسه على هذا المشهد، وأن يقرر ما إذا كنا أمام تحليل رياضي جاد، أم أمام صورة من صور السخف التي أفرزتها المبالغة في التعامل مع لعبة كان من المفترض أن تبقى مجرد لعبة.

وأرجو أن ينتبه الناس الي الهدف من كل هذا الهراء هو تسطيح ذوق المشاهد" الذي أصبح يتقبل هذا العبث كأنه تحليل علمي.