2026-10-23

طغيان المشهد الكروي



د. محمد الشافعي

يبدو أننا أصبحنا نعيش في بلدٍ لا تكاد تعرف له قضية سوى كرة القدم؛ فهي حاضرة في الأخبار، ومهيمنة على الشاشات، ومستحوذة على أحاديث الناس، حتى ليخيّل إليك أن الحياة بكل ما فيها من قضايا وهموم وطموحات قد انكمشت، ولم يعد لها من مساحة سوى ما تتيحه المستطيلات الخضراء من أهداف ومباريات.

تفتح التلفاز، فتجد مباراة، وقبلها استوديو تحليلي، وبعدها استوديو آخر، ثم برامج تستعيد ما جرى، وتناقش ما قيل، وتعيد تحليل ما سبق تحليله، وكأننا أمام حدث يستعصي على الفهم، أو قضية تتوقف عليها مصائر الأمم. أما بقية الرياضات، فلا تكاد تحظى بنصيب يُذكر من هذا الاهتمام، وكأن الرياضة اختُزلت في لعبة واحدة، وما عداها مجرد تفاصيل هامشية لا تستحق الالتفات.

والأعجب من ذلك هذه الكثرة اللافتة ممن يُطلق عليهم لقب «المحللين»؛ وجوه تتكرر على الشاشات، وأحاديث تتشابه، وآراء تدور في فلك واحد، حتى أصبح من حق المشاهد أن يتساءل: ما المعايير التي تمنح هؤلاء صفة التحليل؟ وهل يكفي أن يكون المرء لاعبًا سابقًا، أو صحفيًّا، أو صاحب قدرة على الكلام، حتى يصبح خبيرًا يُستدعى إلى الشاشات ليشرح للناس ما رأوه بأعينهم؟

ولا يعني ذلك أن كل لاعب سابق يفتقر إلى المعرفة، أو أن التحليل حكر على فئة بعينها، لكن الأمر يحتاج إلى معايير حقيقية تميز صاحب العلم والخبرة من مجرد صاحب الرأي، وتفصل بين التحليل الذي يضيف معرفة، والكلام الذي يستهلك الوقت دون أن يضيف شيئًا.

ومع ذلك، تستمر العجلة في الدوران؛ مباريات، وتحليلات، وتعليقات، ومداخلات، ووجوه تتقاضى أجورًا لقاء ساعات من الحديث عن لعبة واحدة.

أرزاق... أرزاق!

يبدو أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تحظى بشعبية واسعة، بل تحولت إلى منظومة اقتصادية وإعلامية متكاملة، تتشابك فيها المصالح، وتتعدد حولها مصادر الدخل، ويصبح استمرار الضجيج ضرورة لاستمرار المكاسب. فكلما ازدادت مساحة الاهتمام، اتسعت المساحة المتاحة للإعلانات والبرامج والعقود، وأصبحت الكرة مادة لا تنضب، ليس بالضرورة لأنها تحمل كل هذا القدر من الأهمية، وإنما لأن هناك من يجيد تحويل الاهتمام بها إلى مكاسب لا تنقطع.

ولست ضد كرة القدم، ولا ضد أن يجد الناس فيها متعة تُخفف عنهم أعباء الحياة؛ فمن حق كل إنسان أن يختار ما يحب، وأن يجد في الرياضة فسحة للترفيه والانفعال. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المتعة إلى هيمنة، والاهتمام إلى استحواذ، واللعبة إلى محور تدور حوله ساعات البث وأحاديث المجالس، بينما تتراجع قضايا أكثر اتصالًا بحياة الناس ومستقبلهم.

فأين المساحة التي تُمنح للعلم، وللتعليم، وللثقافة، وللفنون الحقيقية؟ وأين النقاش الجاد حول مشكلات المجتمع، وما يواجهه الناس من أعباء، وما يحتاج إليه أبناؤنا من وعي ومعرفة؟ ولماذا تستطيع مباراة واحدة أن تستأثر بساعات من البث والتحليل، بينما تمر قضايا تستحق البحث والنقاش دون أن تجد من الاهتمام ما يوازي أهميتها؟

إن الخلل ليس في كرة القدم ذاتها، وإنما في اختلال الموازين التي نرتب بها اهتماماتنا، وفي إعلام يطيل الوقوف عند ما يجذب الجمهور، ولو كان ذلك على حساب ما ينفعه ويرتقي بوعيه. فليس كل ما يجذب الانتباه جديرًا بأن يستحوذ عليه، وليس كل ما يحقق نسب مشاهدة مرتفعة يستحق أن يتصدر المشهد.

إن أخطر ما في هذا الأمر ليس كثرة المباريات، ولا تكرار الوجوه، ولا ساعات التحليل التي لا تنتهي؛ بل أن نعتاد هذا الاختلال حتى يبدو طبيعيًّا، وأن نمنح لعبة واحدة من وقتنا واهتمامنا أكثر مما نمنح قضايا تصنع مستقبلنا، ثم نتساءل بعد ذلك عن أسباب تراجع الثقافة، وضعف الوعي، وانحسار الاهتمام بالمعرفة.

فحين تتحول كرة القدم من لعبة نمارس بها حقنا في الترفيه إلى عالم يستغرق وعينا، ويزاحم كل ما عداه، لا تعود المشكلة في تسعين دقيقة تُلعب داخل الملعب، بل في ساعات طويلة تُهدر خارجه، وفي مجتمع يبدو أحيانًا وكأنه يملك من الوقت ما يكفي لتحليل كل تمريرة، ولا يملك منه ما يكفي للتفكير في مستقبله.