دكتور محمد الشافعي
ثمة أماكن لا تغادر القلب مهما ابتعدنا عنها، وثمة تجارب تظل تسكن الوجدان وإن حالت بيننا وبينها السنون والظروف. ومن بين تلك الأماكن تبقى خشبة المسرح عالمًا فريدًا لا يشبه سواه، عالمًا يملك قدرة عجيبة على أسر الروح وإشعال الخيال واستنطاق أعماق الإنسان.
وما يفتقده المرء أحيانًا ليس مجرد الوقوف أمام جمهور أو سماع التصفيق في نهاية العرض، بل تلك الحالة الإنسانية النادرة التي يمنحها المسرح لمن يعشقه حقًا. فالمسرح الحقيقي ليس ذلك الذي يقوم على الضحك العابر أو النكات السريعة التي تُستهلك في لحظتها ثم تُنسى، وإنما هو الفن الذي يغوص في النفس البشرية، ويكشف تناقضاتها، ويطرح أسئلتها الكبرى، ويجسد صراعاتها وآمالها وانكساراتها.
إن متعة أداء الأدوار المركبة والعميقة لا تضاهيها متعة أخرى. فالممثل لا يكتفي بحفظ الكلمات أو ترديد الجمل، بل يعيش حياة أخرى كاملة. يخرج مؤقتًا من ذاته ليسكن ذاتًا مختلفة، فيرى العالم بعينيها، ويفكر بعقلها، ويتحدث بلسانها، ويشعر بمشاعرها. يصبح شخصًا آخر دون أن يفقد شخصيته الأصلية، وكأن المسرح يمنحه فرصة استثنائية ليعيش أعمارًا متعددة داخل عمر واحد.
ولعل هذا هو سر سحر المسرح؛ أنه يفتح أبوابًا لا تفتحها الحياة اليومية. فهناك على الخشبة يستطيع الإنسان أن يكون الحكيم والمجنون، البطل والخائن، الضحية والجلاد، الملك والمتسول، وأن يكتشف في كل شخصية جانبًا جديدًا من النفس الإنسانية.
ولهذا يظل الحنين إلى المسرح حنينًا مختلفًا. إنه ليس اشتياقًا إلى مكان فحسب، بل إلى حالة كاملة من الشغف والإبداع والحياة. إلى تلك اللحظة التي تنطفئ فيها الأنوار، ويسود الصمت، ثم يبدأ السحر. إلى رهبة الستار قبل أن يرتفع، وإلى النبض المتسارع الذي يسبق ظهور الممثل أمام الجمهور، وإلى ذلك الشعور الفريد بأنك جزء من عمل فني يولد أمام أعين الناس في تلك اللحظة نفسها.
وأحيانًا أتساءل: هل سأعود يومًا إلى حبي الأول؟ هل سأقف مرة أخرى على خشبة المسرح؟ هل سيصدح صوتي من جديد بين جنباته كما كان من قبل؟
لا أحد يملك الإجابة اليقينية. فالحياة كثيرًا ما تأخذنا إلى طرق لم نخطط لها، وتدفعنا إلى محطات لم نتوقعها. وربما كان المسرح قطارًا كنت أحد ركابه بالفعل، ثم غادرته قبل أن يبلغ محطته الأولى. لا لأن الرغبة كانت قد خمدت، ولا لأن الحلم فقد بريقه، بل لأن الأقدار شاءت مسارًا آخر في تلك المرحلة من العمر.
ومع ذلك فإن الأحلام الصادقة لا تموت بسهولة. قد تبتعد، وقد تخفت أضواؤها لبعض الوقت، لكنها تظل كامنة في مكان ما من الروح، تنتظر لحظة مناسبة لتعود. وربما يكون أجمل ما في الحنين أنه يبقي الأبواب مواربة، فلا يغلقها اليأس تمامًا، ولا يصادر حق الإنسان في الأمل.
ولذلك يبقى المسرح بالنسبة لبعضنا أكثر من مجرد فن؛ إنه جزء من الهوية، وذكرى جميلة من الماضي، وحلم مؤجل ربما يأتي يوم يعود فيه الستار ليرتفع من جديد، ويعود الممثل إلى مكانه الطبيعي فوق الخشبة، وكأن سنوات الغياب لم تكن سوى استراحة قصيرة بين فصلين من العرض.

