دكتور محمد الشافعي
عجيبٌ أمر بعض البشر حين يتحول القرب بينهم وبين الآخرين إلى بابٍ للحقد والغيرة، لا إلى بابٍ للمودة والرحمة. فالمفترض أن الأقربين هم أول من يفرح لفرحنا، وأول من يسعد لنجاحنا، وأول من يساندنا إذا تعثرت بنا الأيام، غير أن الواقع كثيرًا ما يكشف عن وجوهٍ أخرى لم نكن نتوقعها، وجوه تخفي وراء الابتسامات شيئًا من الغل الدفين، والحسد الصامت، والضيق من كل نعمة يمنّ الله بها على غيرهم.
إن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس عداوة الغريب، فالغريب لا تربطك به وشائج قلب ولا ذكريات عمر، وإنما الوجع الحقيقي أن تأتيك مشاعر الكره ممن أحسنت إليهم، وأغدقت عليهم من محبتك وكلماتك الطيبة، وظننت أنهم أكثر الناس صدقًا وصفاءً نحوك. فتفاجأ أن بعض النفوس تضيق بنجاحك، وتتألم لفرحتك، وتتمنى في سرها ألا ترى عليك أثر نعمة أو راحة أو استقرار.
وقد لا يظهر هذا الحقد بصورة مباشرة، بل يخرج في هيئة كلمات عابرة يصفها أصحابها بالمزاح، لكنها في حقيقتها رسائل صادقة تفضح ما تخفيه القلوب. فالعين كثيرًا ما تكشف ما يعجز اللسان عن إخفائه، وبعض العبارات التي تُقال على سبيل “الهزار” ليست إلا تعبيرًا تلقائيًا عن غيرة دفينة أو كراهية كامنة في النفوس.
ومن العجيب أيضًا أن تتحول بعض العلاقات الأسرية أو الاجتماعية إلى ساحات مقارنة ومنافسة مريضة؛ فهذا يغار لأن قريبًا له اشترى سيارة جديدة، وذاك يحقد لأن غيره يعيش حياة مستقرة أو حقق نجاحًا في عمله أو زوّج ابنته إلى رجل صالح محترم. وكأن النعمة إذا نزلت على إنسان انتُزعت من الآخرين، مع أن الخير الذي يقدّره الله لعباده واسع لا ينفد، وأن نجاح فرد من العائلة أو الأقارب ينبغي أن يكون مصدر فخر وسعادة للجميع لا سببًا للضيق والكراهية.
ولعل من أكثر السلوكيات إزعاجًا كذلك ذلك التطفل الذي يمارسه بعض الناس بدافع الفضول أو الحسد، فتجد أحدهم منشغلًا بتفاصيل حياتك أكثر من انشغاله بحياته هو. يسألك عن كل صغيرة وكبيرة، ويتتبع أخبارك وتحركاتك، ويحاول اقتحام خصوصياتك بلا حياء، وكأن من حقه أن يعرف عنك كل شيء. وهذا السلوك في حقيقته يعكس فراغًا داخليًا وضعفًا في تهذيب النفس، لأن الإنسان السويّ ينشغل بإصلاح ذاته قبل انشغاله بأحوال غيره.
إن القلوب حين تبتعد عن صفاء الإيمان تمتلئ بمثل هذه الآفات؛ بالحقد، والغيرة، وسوء الظن، والتطفل، وتتآكل فيها معاني الرحمة والمحبة. أما الدين الحق فقد دعا إلى نقاء القلب، وإلى أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يفرح لفرح الآخرين كما يفرح لنفسه، وأن يصون خصوصيات الناس ويحفظ كراماتهم.
فالعودة الصادقة إلى كتاب الله عز وجل، والعمل بأخلاق الدين، وتربية النفس على الرضا والقناعة، هي الطريق الحقيقي لعلاج هذه الأمراض القلبية التي أفسدت كثيرًا من العلاقات بين الناس. فالحياة أقصر من أن تُستهلك في مراقبة الآخرين أو الحقد عليهم، والقلوب النقية وحدها هي التي تنعم بالسلام والطمأنينة، أما النفوس الممتلئة بالغل فلا تعرف راحةً ولو امتلكت الدنيا بأسرها.
