2026-09-18

لغة الحب

 


دكتور محمد الشافعي 

دائمًا أرى أن لغة الحب الحقيقية هي «المشاركة»؛ فليس الحب في كثرة العبارات، ولا في الهدايا التي تُقدَّم ثم تنتهي، وإنما في أن يفتح لك الإنسان نافذة على حياته، ويدعك ترى ما لا يراه الآخرون.

أن يحدث له شيء، فيكون لك نصيب منه؛ لا لأنك طلبت أن تعرف، ولا لأن الحكاية تستحق أن تُروى، وإنما لأنك أصبحت من أولئك الذين لا تكتمل بعض التفاصيل إلا حين تصل إليهم. فيحكي لك عن يومه كما جاء، لا كما ينبغي أن يُحكى؛ عن موقف عابر، وفكرة باغتته، وشيء أضحكه، وآخر ظل عالقًا في نفسه. وربما أخبرك بأمر صغير لا يعني أحدًا، لكنه يعنيه أن يكون عندك.

الحب في أرقى صوره أن تجد نفسك حاضرًا في حياة إنسان دون أن تطلب الحضور. أن يرى شيئًا جميلًا فيتذكرك، أو يمر بموقف فيفكر فيما كنت ستقوله لو كنت إلى جواره، أو تقع عيناه على شيء يعرف أنك تحبه، فيشعر برغبة بسيطة في أن يشاركك رؤيته. عندها لا تكون مجرد شخص يحبه؛ تصبح جزءًا من طريقته في رؤية العالم.

والمشاركة ليست دائمًا في الأفراح. أحيانًا يمنحك الإنسان جانبًا من تعبه، أو يضع عندك فكرة لم تنضج، أو يترك بين يديك خوفًا لا يحب أن يراه أحد. لا يفعل ذلك طلبًا للحل، بل لأن بعض ما نحمله يخفّ حين يجد قلبًا أمينًا يحمله معنا قليلًا.

ثم هناك مشاركة أكثر رهافة، لا تحتاج إلى الكلام أصلًا؛ أن يألف الإنسان حضورك إلى الحد الذي يستطيع معه أن يصمت أمامك كما هو، بلا حرج ولا تكلّف. أن يكون الصمت بينكما راحة، لا فراغًا، وأن يكون القرب كافيًا حين تعجز الكلمات عن أن تضيف شيئًا.

ولذلك، ربما لا تكون أصدق علامة على الحب أن يقول لك أحدهم «أحبك»، وإنما أن تجد نفسك تتسلل إلى تفاصيله من تلقاء نفسها؛ إلى يومه، وذاكرته، وأفكاره، وحتى إلى الأشياء التي لم يكن يعرف من قبل أنه يرغب في مشاركتها مع أحد.

فالحب الحقيقي لا يطلب أن يكون محور حياة الآخر؛ يكفيه أن يكون له فيها مكان. مكان صغير، لكنه حقيقي؛ في حكاية عابرة، أو خاطر مفاجئ، أو صمت طويل، أو لحظة جميلة لم تكتمل إلا حين قال صاحبها: كان ينبغي أن أشاركك هذا. 

فالمشاركة الواعية هي الروح التي تمنح القرب معناه. واكرر أن الحب في أرقى صوره أن تجد نفسك حاضرًا في حياة إنسان دون أن تطلب الحضور.

لأن حضور الأرواح لا يُفرض بالقوة ولا يُطلب بالطلب، بل ينساب بدفء ولطف ليجعل من الشخص الآخر جزءًا لا يتجزأ من النظرة إلى العالم وأشياء الحياة.