مهندس عاصم شاكر
من سار بين الناس جابرًا للخواطر أنقذه الله من جوف المخاطر؛ فهذه ليست مجرد عبارة عابرة تُقال في مجالس الوعظ، بل هي قانون إنساني عميق يحكم حركة الحياة ويُعيد ترتيب موازين القلوب قبل موازين المصالح. فالحياة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تُدار بالمنطق البارد فقط، وإنما تستقيم بجبر الخواطر، لأن القلوب إذا انكسرت ضاعت إنسانية الإنسان، وإذا جُبرت استعاد المجتمع توازنه وأمانه.
جبر الخواطر هو أرقى صور الرحمة التي يمكن أن يمارسها الإنسان دون أن يدفع ثمنًا ماديًا، وهو أعظم استثمار أخلاقي يملكه المرء في رصيده الإنساني. كلمة طيبة تُقال في وقت الانكسار، وابتسامة تُرسم على وجه مهموم، ويد تمتد لتخفف عن متألم، كلها أعمال صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، لأنها تُرمم ما لا تستطيع الأموال ولا المناصب ترميمه. فالخواطر المكسورة لا يداويها إلا قلب رحيم، ولا يجبرها إلا إنسان يعرف أن الدنيا تدور وأن الأيام دول.
ولعل سر النجاة في جبر الخواطر أن الله جعل الرحمة بين عباده طريقًا لرحمته بهم، فمن خفف عن الناس خفف الله عنه، ومن ستر ضعفهم ستر الله عثرته، ومن جبر كسرهم جبر الله كسره في ساعة لا يجد فيها سندًا ولا معينًا. فالمخاطر التي تهدد الإنسان في حياته ليست كلها حوادث مادية أو أزمات ظاهرة، بل إن أخطرها ما لا يُرى: قلق مفاجئ، ضيق مفجع، ضياع طريق، أو موقف قاسٍ لا يجد فيه الإنسان من يقف بجانبه. وهنا تتجلى رحمة الله فيمن كانوا يجبرون خواطر الناس، فيجدون لطف الله يحيط بهم من حيث لا يحتسبون.
إن جبر الخواطر ليس ضعفًا كما يظنه البعض، وليس تنازلًا عن الكرامة، بل هو قوة أخلاقية راقية تعكس نُبل صاحبها وسمو إنسانيته. فالإنسان الذي يجبر الخواطر يملك قلبًا واسعًا وعقلاً ناضجًا ونفسًا تعرف أن العظمة الحقيقية ليست في أن تكون قويًا على الناس، بل في أن تكون رحيمًا بهم. فالقلوب تُفتح بالمحبة، والنفوس تُستمال بالرحمة، والمجتمعات تستقر حين يسود فيها خلق الجبر والاحتواء.
وفي زمن ازدادت فيه القسوة، وتسارعت فيه المصالح، وضاقت فيه النفوس، صار جبر الخواطر عبادة إنسانية عظيمة تُعيد للناس شعور الأمان، وتُحيي فيهم معنى التراحم الذي كاد أن يختفي. فكم من كلمة قاسية كسرت إنسانًا، وكم من موقف بسيط أعاد له الحياة، وكم من جبر خاطر غيّر مصير إنسان من اليأس إلى الأمل.
إن من يسير في طريق جبر الخواطر يسير في طريق النجاة، لأنه يحمل في قلبه رحمة، والرحمة إذا سكنت قلبًا جعلته في معية الله، ومن كان الله معه فلا يخشى المخاطر مهما اشتدت ولا الأزمات مهما تعاظمت. فاجعل جبر الخواطر منهج حياة، لا موقفًا عابرًا، وازرع الطمأنينة في قلوب الناس، فإنك لا تدري أي خاطر تجبره اليوم يكون سببًا في أن يُنجيك الله غدًا من خطر لم تره عيناك ولم يخطر على بالك.
وختاما، جبر الخواطر ليس خلقًا اجتماعيًا فقط، بل هو طريق نجاة، وميزان إنسانية، ورسالة رحمة، ومن سار به بين الناس حفظه الله من جوف المخاطر.

