2026-07-07

التجاهل

دكتور محمد الشافعي 

الحياة تمضي في طريقها غير عابئة بما نعانيه من صغائر الأمور وتفاصيلها المرهقة، ولو توقفنا عند كل حدث، أو عند كل كلمة، أو عند كل فعل صادر عن الآخرين، لأثقلنا أرواحنا بأحمال لا تُطاق. إنّ في التجاهل الذكي حكمة بالغة، فهو ليس انصرافًا عن الواقع أو هروبًا من المواجهة، بل هو فن اختيار ما يستحق الالتفات، وما ينبغي أن يُلقى وراء ظهورنا.

هناك أحداث تقع حولنا لا تزيدنا إلا اضطرابًا إن أعطيناها أكبر من حجمها، وأشخاص يتعمدون إثارة الغبار في فضاءاتنا النفسية، وأقوال لو حملناها على محمل الجد لهدمنا بها راحة قلوبنا. فالعاقل من يدرك أن طاقته محدودة، وأن حياته أسمى من أن يبددها في صراعات صغيرة أو جدالات عقيمة أو كلمات جوفاء.

التجاهل الذكي لا يعني الجمود أو اللامبالاة، بل هو قوة داخلية وانتصار للنفس، لأنه يحفظ للإنسان هدوءه وكرامته، ويجنبه الدخول في معارك خاسرة لا طائل من ورائها. وهو أيضًا سلاح صامت، يُشعر المسيء بأن محاولاته للنيل منك لا تُجدي، وأن ضجيجه لا يصل إلى سمعك ولا يطرق قلبك.

فلتعوّد نفسك إذن على أن تُعرض عن كل ما لا قيمة له، وأن تنتقي بعين البصيرة ما يستحق وقتك ومشاعرك، وأن تظل واقفًا شامخًا أمام رياح الحياة التي لا تنقطع. فالحياة قصيرة، والقلوب هشة، والسلام الداخلي أغلى من أن يُهدَر على ما لا يُجدي.