2026-08-27

حين يصبح العطاء حقًا



دكتور محمد الشافعي 

حين يصبح التعاطف استحقاقًا

التعاطف قيمة نبيلة، لكنه حين يذهب إلى الشخص الخطأ قد يتحول، من حيث لا تدري، إلى ثمن تدفعه أنت.

فبعض الناس لا يستقبلون تعاطفك بوصفه موقفًا إنسانيًا عابرًا، ولا يرون في ما تقدمه لهم يدًا امتدت في لحظة ضيق؛ بل يعيدون ترتيب العلاقة في أذهانهم، حتى يصبح ما منحته اختيارًا منك شيئًا مستحقًا لهم، وكأن طيبتك التزام، وكرمك واجب، وتسامحك باب لا يحق لك إغلاقه.

وهنا تبدأ الطيبة في دفع ثمنها.

فالذي اعتاد أن يأخذ منك لأنك رققت لحاله، قد لا يرى امتناعك حقًا طبيعيًا لك؛ بل يراه تخليًا، وربما إساءة. وقد يتحول من شخص كنت تخشى عليه إلى شخص يحاسبك؛ يقلل مما قدمت، وينسى ما بذلت، ويبحث عن مواضع تقصير لم تكن موجودة، فقط لأنك قلت له ذات مرة: لا.

وهذه الـ«لا» الصغيرة كثيرًا ما تكشف أشياء كبيرة.

تكشف أن بعض الامتنان لم يكن امتنانًا، وإنما انتظارًا للدفعة التالية. وأن بعض القرب لم يكن مودة، وإنما معرفة بمصدر يمكن الرجوع إليه عند الحاجة. وتكشف أن الإنسان قد يُساء فهمه بسبب أجمل ما فيه؛ فتُقرأ طيبته ضعفًا، ورحمته سذاجة، وتسامحه قابلية دائمة للتنازل.

والأشد مرارة أن من يستغل طيبة غيره لا يعيش دائمًا ذلك الصراع الأخلاقي الذي نتخيله؛ فقد لا يعود إلى نفسه ليلومها، لأنه يروي الحكاية بطريقة مختلفة: لم أستغله، لقد عرفت كيف أستفيد منه.

وهنا تكمن قسوة المسألة: أن يصبح استغلالك، في عين من استغلك، دليلًا على ذكائه لا عيبًا في أخلاقه.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تمنحه لإنسان لا يعرف قدر العطاء هو الاعتياد.

فالشيء الذي تفعله مرة قد يبقى جميلًا في ذاكرته، أما الشيء الذي تكرره حتى يصبح مألوفًا، فقد يسقط من خانة الفضل إلى خانة الاستحقاق. وحينها لا يعود يسأل نفسه: لماذا أعطاني؟ بل يسأل: لماذا لم يعطني؟

ومن هنا ينقلب التعاطف على صاحبه؛ فلا تعود مشكلتك أنك ساعدت، وإنما أنك ساعدت حتى أُسيء تفسير مساعدتك.

وليس المطلوب أن نتخفف من إنسانيتنا، بل أن نحفظ لطيبتنا بصيرتها. أن نعرف متى تكون يدنا عونًا، ومتى تصبح عكازًا يتكئ عليه شخص اختار ألا يقف. فليس كل من أظهر انكساره عاجزًا، وليس كل من طلب مساعدتك مستحقًا لها، وليس كل من أتقن دور الضحية بريئًا من استثماره.

وأحيانًا تكون أكثر «نعم» أذى لك هي تلك التي قلتها لأنك خجلت من قول «لا».

فاحفظ لتعاطفك قيمته، ولا تسمح لأحد أن يحوله إلى ضريبة دائمة على قلبك. أعطِ حين يكون العطاء نابعًا منك، وتوقف حين تشعر أن ما تمنحه لم يعد يُستقبل بامتنان، وإنما يُنتظر باعتباره حقًا.

لأن هناك لحظة يصبح فيها استمرارك في العطاء ظلمًا لنفسك، ويصبح الامتناع عن العطاء ليس قسوة، بل استردادًا هادئًا لحقك في أن تكون طيبًا دون أن تكون مستباحًا.

وأقسى ما في بعض العلاقات أن تكتشف متأخرًا أن الشخص الذي تعاطفت معه لم يكن يريد منك قلبًا رحيمًا؛ كان يريد فقط شخصًا لا يعرف كيف يقول: لا.