دكتور محمد الشافعي
عامٌ واحد... كفيلٌ بأن يغيّر كل شيء
يكفي أن يقف الإنسان مع نفسه لحظات، ويسترجع عامًا مضى من عمره، حتى يكتشف أن الحياة ليست كما كان يتصور، وأن الأقدار تمضي في طريقها وفق حكمة لا تخطئ، مهما بدا لنا المشهد غامضًا أو عسيرًا.
فيكفي أن تعود بذاكرتك عامًا واحدًا إلى الوراء، حتى تدرك أن الزمن لا يمضي بنا فحسب، بل يعيد تشكيلنا من الداخل. فما أكثر الأشياء التي تبدلت، وما أكثر الوجوه التي غابت، وما أكثر الأقدار التي جاءت بما لم يكن يخطر على بال.
كم من شخص كان يحتل مساحة واسعة من حياتنا، ثم أصبح مجرد ذكرى عابرة، وكم من إنسان دخل أيامنا دون موعد، فإذا به يصبح جزءًا أصيلًا من تفاصيلها. وكم من أمرٍ تشبثنا به ظانين أننا لا نستطيع العيش بدونه، فإذا الأيام تعلمنا أن الإنسان أقوى مما يتخيل، وأن القلب قادر على التكيف متى رضي بقضاء الله.
ففي عام واحد فقط، تتبدل الوجوه، وتتغير العلاقات، وتختلف الأولويات. أناسٌ كانوا يملؤون أيامنا حضورًا، فإذا بهم يغيبون، لا لأننا أردنا ذلك، ولكن لأن الحياة لها قوانينها التي لا تستأذن أحدًا. وفي المقابل، يدخل آخرون إلى حياتنا دون موعد، فيمنحونها دفئًا، ويتركون فيها أثرًا لم نكن نتوقعه.
ولعل أعجب ما في الحياة أن الأحلام نفسها تتغير. فما كان بالأمس بعيدًا عن دائرة التفكير قد يصبح اليوم أعظم أمنية، وما كان يملأ القلب شغفًا قد يفقد بريقه مع مرور الأيام. وهكذا تمضي الحياة، لا تثبت على حال، ولا تستقر على صورة واحدة، وإنما تتبدل وفق حكمة إلهية لا يدرك الإنسان أسرارها إلا بعد حين.
وخلال عام واحد فقط، قد يمر الإنسان بمحطات متباينة؛ يسقط مرة، ثم ينهض أكثر صلابة، ويحزن حتى يظن أن الفرح قد هجره، ثم يبتسم من جديد حين يرزقه الله من حيث لا يحتسب. وقد يعيش أيامًا يخيّل إليه أنها لن تنقضي، فإذا بها تصبح صفحة من الماضي، لا يملك تجاهها إلا أن يحمد الله على لطفه وتدبيره.
وفي رحلة عام واحد، يذوق الإنسان من ألوان الحياة ما يصقل روحه ويهذب قلبه. يسقط مرة ليعرف قيمة النهوض، ويحزن ليشعر بحلاوة الفرج، ويضيق صدره حتى يظن أن الأبواب قد أغلقت، ثم يفاجئه الله بفرج يأتيه من طريق لم يخطر له ببال. وعندها يدرك أن اليأس كان وهمًا، وأن رحمة الله كانت أقرب إليه من ظنونه كلها.
إن هذه التحولات المتلاحقة تمنحنا درسًا عظيمًا؛ وهو أن دوام الحال من المحال. فلا الشدة باقية، ولا الرخاء دائم، ولا الفرح يستمر على وتيرة واحدة، ولا الحزن يبقى إلى الأبد. وإنما هي أيام يداولها الله بين الناس، ليختبر صبرهم عند البلاء، وشكرهم عند العطاء.
ومن أعظم ما يبعث الطمأنينة في القلب أن المؤمن يعلم أن تدبير الله خير من تدبيره لنفسه. فقد يتأخر ما نرجوه، لا حرمانًا، وإنما رحمة، وقد تُؤجل الإجابة لأن موعدها الحقيقي لم يحن بعد. فنحن ننظر إلى اللحظة، أما الله سبحانه فيدبر الأمر بعلمه المحيط، ويختار لعباده ما فيه الخير، وإن خفيت حكمته في البداية.
وربما هناك باب لم يُفتح بعد، لكنه سيُفتح في الوقت الذي يكون فيه أنفع لك. وربما دعوة رفعتها يومًا ثم غابت عن ذاكرتك، لكنها لم تغب عن علم الله، وسيأتي أوان استجابتها حين تتحقق بها المصلحة التي يعلمها سبحانه، لا التي نتعجلها نحن.
لهذا، لا تيأس إن تأخر الفرج، ولا تظن أن الانتظار يعني الحرمان. فكم من خير جاء بعد طول صبر، وكم من منحة خرجت من رحم المحنة، وكم من أمنية تحققت في اللحظة التي ظن صاحبها أنها لن تتحقق أبدًا.
فليكن يقينك بالله أكبر من مخاوفك، وثقتك بحكمته أعظم من استعجالك للنتائج. وما دمت قد سلمت أمرك لله، وأخذت بالأسباب، وأحسنت الظن بربك، فاعلم أن الخير آتٍ لا محالة، وأن ما اختاره الله لك هو الخير كله، وإن تأخر عن الموعد الذي رسمته أنت.
فاطمئن... فما دام الأمر بيد الله، فلا خوف على المستقبل، ولا قلق من الغد، لأن تدبير الرحمن لا يأتي إلا بالخير، ورحمة الله تسبق آمالنا، وحكمته أوسع من تصوراتنا، ووعده للمؤمنين حق لا يتخلف.
