2026-04-17

كلية العلوم

 



د. مجدي عبدالعال

أستاذ كيمياء البوليمرات

مهتم بالتعليم العــــالي

جامعة المنصـــورة

.............................

كليات العلوم: عصب الأمة المشلول وأمانة العلم الضائعة

٢- تشريح الفجوة المعرفية و"بناء الحضيض"!!

—————————

حينما تصبح سنة أولى جامعة مجرد "محو أمية علمية".

في هذا الجزء، نغوص في أصل المأساة. لماذا يصرخ أساتذة العلوم من مستوى الطلاب المستجدين بالجامعة؟ ولماذا يشعر الطالب بالتوهان منذ المحاضرة الأولى؟! بالرغم من ان ما يدرسه لم يخرج عن ما سبق ودرسه في المرحلة الثانوية التي ربما يكون قد حصل فيها على الدرجات النهائية في المواد العلمية مثل الكيمياء والفيزياء والرياضيات؟

1️⃣ انهيار "المادة الخام": العلم الذي لم يُدرس!

الطالب الذي يلتحق بكلية العلوم اليوم هو نتاج نظام تعليمي (ما قبل جامعي) لم يتحسن منذ عقود.

الفاجعة أن الطالب يدخل قسم الكيمياء وهو لا يدرك "تمثيلاً" معنى الرابطة التساهمية، ويدخل قسم الفيزياء وهو لا يجيد المنطق الرياضي البسيط.

العلم في المدرسة تحول إلى "نصوص مقدسة تُحفظ" لتُفرغ في ورقة الإجابة، بينما كلية العلوم تحتاج إلى "عقل يشك، ويجرب، ويستنتج". نحن لا نستقبل طلاباً، نحن نستقبل "آلات حفظ" تعطلت برمجتها فور انتهاء امتحانات الثانوية العامة.

2️⃣ قانون الفجوة العكسية وصراع البقاء في قاعة المحاضرات

لنتحدث بلغة الأرقام والمساحات المعرفية:

الفجوة المعرفية هي المسافة بين "ما يعرفه الطالب فعلياً" وبين "ما يجب أن يدرسه في الجامعة".

عندما يكون التعليم الثانوي ثرياً، يدخل الطالب الجامعة وهو "جاهز" للتعمق. أما اليوم، فالفجوة اتسعت لدرجة أن الأستاذ الجامعي يضطر لقضاء 70% من وقت المحاضرة في "ترميم" مفاهيم كان يجب إتقانها في الإعدادية!

هذا الضياع في الوقت يعني بالضرورة نقصاً في "التحصيل التخصصي"، فيتخرج الطالب وهو لم ينهل من "مستجدات العلم" ما يكفي، لأنه استهلك وقته في تعلم "البديهيات".

3️⃣ أكذوبة "الاكتفاء بالتطبيق" في العلوم الأساسية

يظن البعض أن "العمق" غير مطلوب، وهذا أكبر خطأ، فالطالب في كليات أخرى قد يكون "مستخدماً"، لكن طالب العلوم هو "الماهية". إذا لم يفهم الكيميائي "أساس المادة" من الصفر، فكيف ننتظر منه أن يطور "بوليمراً" جديداً أو يجد حلاً كيميائياً لسرطان الماء (الفورمالدهيد)؟!

التأسيس من "الحضيض المعرفي" في الجامعة أصبح استحقاقاً إجبارياً وليس اختيارياً، لأننا نبني من تحت الصفر، حيث بات من الضروري إصلاح منظومة التعليم ماقبل الجامعي لتأهيل خريجيها لمرحلة الجامعة.


4️⃣ جريمة "الساعات الهزيلة" في ظل ضعف الإمكانيات

مع اتساع هذه الفجوة، تخرج أصوات تنادي بـ "تقليص الساعات المعتمدة" لمحاكاة أنظمة عالمية!

الرد الصادم هو أن الأنظمة العالمية (في ألمانيا أو أمريكا) تقلص الساعات لأن الطالب يدخل الجامعة وهو "مؤسس" كالحديد. أما عندنا، فتقليص الساعات هو "رصاصة الرحمة" على ما تبقى من علم.

نحن بحاجة لزيادة الساعات وزيادة الجرعة العملية، لنمنح الطالب الوقت ليعيش العلم، ويجرب بيده، ويمارس الخطأ والصواب في المعمل حتى تضيق الفجوة المعرفية لديه.

💡 رسالتي من الباب الثاني هي أن خريج العلوم الضعيف ليس "كسولاً" بالضرورة، بل هو نتاج "فجوة" لم تردم، وساعات دراسية لم تكفِ، وتأسيس مدرسي لم يحدث. إذا أردنا خريجاً يواجه سوق العمل، فلا بد من الاعتراف بأن "المرحلة الجامعية حالياً هي مرحلة إنقاذ وترميم" وليست مرحلة بناء وتعلية، والإنقاذ يحتاج لوقت وجهد وإمكانيات، وليس لتقليص التخصصات.


2026-04-15

هدوء الروح

 


دكتور محمد الشافعي 

 حين تُنقّى الروح بالابتعاد

...............................

ليس صفاء النفس هبةً تُمنح بلا ثمن، ولا حالةً عابرة تهبط على القلب صدفة؛ بل هو ثمرة وعيٍ وتجربة، وخلاصة مسارٍ طويل من الإدراك والاختيار. وقد يظن المرء أن راحته تكمن في الاقتراب الدائم، وفي كثرة القول، وفي الانشغال بما لا يعنيه، لكنه لا يلبث أن يكتشف أن الضجيج يرهق، وأن القرب المفرط يستهلك، وأن التشتت يبدد صفاء الروح. ومن هنا، كان العلاج الأصدق: مسافة، وصمت، وانشغال.

أما المسافة، فليست قطيعةً باردة ولا هروبًا من الواقع، بل هي فنّ وضع الحدود، وإعادة ترتيب العلاقات وفق ما تحتمله النفس وما يليق بها. المسافة تمنحك قدرة النظر من علٍ، حيث تتضح الأحجام الحقيقية للأمور، وتنكشف المبالغات التي كانت تثقل صدرك. بها تستعيد نفسك من بين أيدي الآخرين، وتتحرر من استنزافٍ خفيٍّ كان يسرق منك طاقتك دون أن تشعر.

وأما الصمت، فهو ليس عجزًا عن الكلام، بل اختيارٌ واعٍ لعدم إهدار المعنى. في الصمت تنضج الفكرة، ويهدأ الانفعال، وتستعيد الكلمات وزنها بعد أن كادت تُستهلك في جدلٍ لا طائل منه. الصمت مساحةٌ داخلية يُعاد فيها ترتيب الفوضى، وتُصفّى فيها المشاعر من شوائبها، حتى يصبح القول – إن قيل – أصدق وأبقى أثرًا.

وأما الانشغال، فليس مجرد ملءٍ للوقت، بل توجيهٌ للجهد نحو ما يُبنى ولا يُهدر. حين ينشغل الإنسان بما ينفعه، يقلّ التفاته إلى ما يؤذيه، وتضيق المساحات التي كانت تتسلل منها الهموم. الانشغال الواعي يخلق توازنًا بين الداخل والخارج، ويمنح الحياة إيقاعًا منتظمًا يبدد الفراغ القاتل الذي كثيرًا ما يكون مأوى للأفكار السلبية.

هكذا، ليست هذه الثلاثية دعوةً للعزلة التامة، ولا للانقطاع عن الناس، بل هي دعوة لإدارة العلاقة مع العالم بقدرٍ من الحكمة والاعتدال. أن تعرف متى تقترب، ومتى تبتعد؛ متى تتكلم، ومتى تصمت؛ ومتى تنشغل، ومتى تترك الأمور تمضي دون تدخل.

فإذا أحسن الإنسان هذا التوازن، صفَت نفسه، وخفّ حمله، وأصبح أكثر قدرة على العطاء دون أن يستنزف ذاته. وحينها فقط، يدرك أن السلام الداخلي ليس شيئًا يُبحث عنه خارجًا، بل حالة تُبنى من الداخل، قرارًا بعد قرار، واختيارًا بعد اختيار.