2026-08-12

ثراء القلوب


 

دكتور محمد الشافعي 

ليس العطاء دائمًا ما يُقاس بما تخرجه الأيدي، بل كثيرًا ما يُوزن بما تتحمله القلوب. فهناك من يواسيك وهو يحمل في صدره من الوجع ما لو وُزِّع على الناس لأثقلهم، ومع ذلك يختار أن يخفف عنك، لا أن يزيدك همًا. وهناك من يبتسم في وجهك، لا لأن الحياة أغدقت عليه أسباب الفرح، بل لأنه يدرك أن ابتسامته قد تكون طوق نجاة لقلبٍ أوشك أن يغرق في اليأس.

إن أسمى صور الإيثار ليست مقصورة على المال والمتاع، فذلك باب من أبواب الكرم، لكنه ليس الباب الوحيد. فقد يمنحك إنسان جزءًا من وقته وهو في أمسِّ الحاجة إلى الراحة، ويصغي إلى شكواك بينما تضج نفسه بآلام لا يسمعها أحد. وربما يقتسم معك آخر ما بقي لديه من صبر، ويزرع في نفسك بذور الأمل، في حين يقف هو وحيدًا يصارع قسوة أيامه بصمتٍ لا يراه الناس.

وهنا تتجلى عظمة النفوس؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر حين يعطي مما فاض عنه، وإنما حين يمنح مما يحتاج إليه. فمن السهل أن يجود المرء بما استغنى عنه، أما أن يبذل وهو محتاج، وأن يساند وهو منهك، وأن يربت على كتف غيره بينما يبحث هو عمن يربت على كتفه، فذلك خلق لا يبلغه إلا أصحاب القلوب الكبيرة.

ولعل أجمل ما في المودة الصادقة أنها لا تنتظر المقابل، ولا تبحث عن الثناء، بل تنبع من إحساس عميق بالإنسانية. فالكلمة الطيبة قد تكون دواءً لا يقل أثرًا عن الدواء، والابتسامة الصادقة قد تبدد عتمة يومٍ كامل، والاحتواء في لحظة انكسار قد يعيد إلى النفس توازنها بعد أن كادت تفقده.

ومن الحكمة ألا ننخدع بالمظاهر؛ فليس كل هادئٍ مطمئنًا، ولا كل باسِمٍ سعيدًا، ولا كل قويٍّ خالٍ من الضعف. فكثير من الناس يخفون آلامهم خلف وجوه هادئة، ويختارون أن يكونوا مصدرًا للنور، رغم أنهم يسيرون في عتمتهم الخاصة. ولذلك فإن اللطف مع الآخرين ليس مجرد خُلُقٍ حسن، بل هو اعتراف ضمني بأن لكل إنسان معركةً لا نعرف تفاصيلها.

ومن الوفاء أيضًا أن نحسن استقبال الود، وألا نستخف بالمشاعر الصادقة، فالكلمة المخلصة، والسؤال الصادق، والمساندة النابعة من القلب، ليست أمورًا عابرة، بل هي هدايا لا تُشترى، ولا تُقاس بثمن. وقد يكون أعظم ما يقدمه لك إنسان هو شعورك بأنك لست وحدك، وأن هناك قلبًا يحمل معك بعضًا من أثقال الطريق.

فلنُقدِّر أصحاب القلوب النقية، ولنعلم أن أثمن العطايا ليست تلك التي تملأ الأيدي، بل التي تُحيي الأرواح. وما أكثر الأغنياء بالمال الفقراء في المشاعر، وما أكثر البسطاء الذين يملكون من ثراء القلب ما يجعلهم يهبون الآخرين قوةً على مواصلة الحياة.

فإذا صادفت في طريقك قلبًا احتواك في ضعفك، وآنس وحدتك، وشاركك شيئًا من صبره وأمله، فلا تمر على ذلك مرور العابرين؛ فإن الود الصادق عملة نادرة، وإذا فُقدت، لا يعوضها مال، ولا يشتريها جاه.