دكتور محمد الشافعي
مع اقتراب موعد الامتحانات، تتكرر على ألسنة كثير من الطلاب أسئلة لا تكاد تنتهي حول نظام الامتحان وشكله وعدد أسئلته وطريقة توزيع الدرجات فيه. ورغم أن هذه الأسئلة قد تبدو طبيعية من وجهة نظر الطلاب، فإنها قد تكون سببًا في شعور الأستاذ بالضيق والغضب أحيانًا، خاصة عندما تتكرر بصورة مبالغ فيها أو تصبح محور الاهتمام الوحيد للطلاب.
فالأستاذ يقضي ساعات طويلة في إعداد المحاضرات، وشرح الموضوعات العلمية، وتوضيح الأفكار والمفاهيم المختلفة، آملًا أن ينصب اهتمام طلابه على الفهم والتحليل واكتساب المعرفة. لكنه يُفاجأ في كثير من الأحيان بأن معظم الأسئلة التي تُوجَّه إليه لا تتعلق بالمادة العلمية نفسها، بل تتركز حول شكل الامتحان وعدد الأسئلة وما إذا كانت ستكون مقالية أم موضوعية، وما هي الأجزاء المتوقعة أو المحذوفة.
ومن هنا ينشأ غضب الأستاذ؛ إذ يشعر بأن جهوده العلمية والتربوية قد اختُزلت في مجرد امتحان، وأن الطلاب باتوا يبحثون عن الطريق الأسهل للحصول على الدرجات بدلاً من السعي إلى فهم المادة واستيعابها. كما أن تكرار السؤال نفسه عشرات المرات، رغم إعلان نظام الامتحان أو شرحه مسبقًا، قد يبعث على الملل ويُظهر نوعًا من عدم الاهتمام بما تم توضيحه من قبل.
ويزداد هذا الغضب عندما يلاحظ الأستاذ أن بعض الطلاب يطرحون هذه الأسئلة قبل أن يبدؤوا في دراسة المقرر أصلًا، وكأن معرفة شكل الامتحان أهم من معرفة محتواه. فالتعليم في جوهره عملية بناء للمعرفة وتنمية للقدرات العقلية، وليس مجرد اجتياز لاختبار أو الحصول على شهادة.
ومع ذلك، فإن غضب الأستاذ لا يكون نابعًا من رفضه لأسئلة طلابه، بل من حرصه عليهم ورغبته في أن يوجّهوا اهتمامهم إلى ما هو أبعد من الامتحان نفسه. فهو يتمنى أن يرى طلابه باحثين عن الفهم والعلم، لا عن الأسئلة المتوقعة والطرق المختصرة. لذلك فإن العلاقة المثالية بين الأستاذ وطلابه تقوم على التوازن؛ فمن حق الطلاب معرفة نظام الامتحان، ولكن ليس في وقت الامتحانات، ولكن من واجبهم أيضًا أن يجعلوا طلب العلم وفهم المادة العلمية هدفهم الأول.
وفي النهاية، يبقى الامتحان مرحلة عابرة، أما العلم الحقيقي فهو الثمرة التي تبقى مع الإنسان طوال حياته. ومن يدرك هذه الحقيقة لن يجعل سؤاله الأول دائمًا: "كيف سيكون الامتحان؟"، بل: "ماذا تعلمت؟ وماذا فهمت؟".
