2026-03-25

النفس والقلب

 


الأستاذ الدكتور أحمد عيسي استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

كتب سيادته هذا البوست علي الفيس بوك

.................

"هو فيه فرق بين النفس والقلب مش منفدين على بعض"

كان هذا تعليق زميلنا د. عماد عجوة Emad Agua على دعاء دعا به أخي بروفسور محمد غنيم ProfMohamed Ghoneim في منشور له قبل بضعة أيام،قائلا: "اللهم إرحم نفسي وقلبي."

والحقيقة إن الفارق كبير جدا بين النفس والقلب، ويستطيع أحد مشايخنا التفرقة أكيد، وأراني، من جهة تخصصي قد أضيف فرقا خطيرا بين النفس والقلب من مفهوم لاهوتيي مصر القديمة، ربما هو الفرق بين "الموت والحياة"، فأحد معاني ال "كا" لدي المصريين القدماء هو "النفس"، إلى جانب معاني أخرى كثيرة جدا؛ منها "القرين" و "القربان" و "الطاقة (طاقة الحياة) و "الشهوة" في النص الذي يخاطب أحد ملوك عن إنجابه لخليفته بالقول: "إنه إبنك الذي أنجبته لك كاهك"، ولعلنا توارثنا حتى الآن جوهر هذه المعاني، حينما نقول: نفسي آكل، نفسي أشرب، نفسي أروح، وهكذا.

ولأن ال "كا"، أو النفس لقب المصريون الكاهن الجنائزي ب "حم-كا"، وهذا المفهوم سماوي أيضا، في مثل قوله تعالى: كل "نفس" ذائقة الموت"، وقوله تعالى: الله يتوفى "الأنفس" حين موتها.

هذا هو رابطة "النفس"، أو "الكا" مع الموت في معتقدات المصريين القدماء، فماذا عن "القلب" الذي أسماه المصريون القدماء بأحد إسمين، هما: "إيب" و "حاتي"، فإنهم قد اعتبروه "منبع الحياة" نفسها، والوعاء الذي يحتوي "جوهرة الروح" ( ال با"، حيث نعرف من قصة الأخوين أن الأخ الأكبر "إنبو" عندما عثر على أخيه المظلوم "باتا"، وجده وقد مات، ويحكي نص القصة أنه عثر على قلب أخيه المتوفي، وقد تصلب بما يشبه حبة "البقول"، فلما أخذ تلك الحبة المتيبسة ووضعها في كأس به ماء، دبت الحياة من جديد وعادت الروح مرة أخرى إلى جسده الميت.

واذا كانت كل كتب الأديان السماوية لم تقل لنا أين تسكن الروح داخل الجسد، فلقد قالها لنا المصري القديم، بعد أن وصلته مؤكد من بينات لإحدى الرسالات السماوية، ولعلها الديانة الإدريسية، التي علمهم نبيها الكريم على الكتابة وصناعة الخبز وحياكة الملابس، كما أخبرهم عن ميزان الأعمال وعن الجنة والنار، وذلك قبل حوالي سبعة آلاف سنة قبل الوقت الحاضر.

ولقد أشار لنا القرآن الكريم بصورة غير مباشرة عن احتواء القلب على الروح، حيث جعل القلب لبا للحياة، وليس مجرد عضلة في الجسم. ومن ذلك قوله تعالى: إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وكذلك قوله تعالى: إلا من أتى الرحمن بقلب سليم.

هذا والله أعلى وأعلم

تعقيب علي مقال دكتور محمد الشافعي

 


مهندس عاصم شاكر 

تعليقا علي مقال الدكتور محمد الشافعي بعنوان "من يغادرني لا يعود: 

أود أن احييه علي هذا المقال وأعلن اتفاقي مع سيارته علي هذا المبدأ.  ولن ازايد علي ما ذكره سيارته ولكن فقط أعرض رؤيتي وتجربتي في هذا السياق.

..........

من يغادرني لا يعود ليست عبارة قاسية كما قد يظن البعض، بل هي خلاصة تجربةٍ طويلة مع الناس والحياة. فهناك فرق كبير بين من يضطره الظرف إلى البعد، وبين من يختار الرحيل بإرادته، ويقرر أن يخرج من دائرة القرب دون اكتراثٍ لما يتركه خلفه من أثر.

من يغادر بإرادته يكون قد حسم أمره، ورتّب أولوياته، وحدد مكانه في حياة الآخرين، ولذلك فإن عودته بعد ذلك لا تكون عودة بريئة، بل تكون محاولة للرجوع إلى شيءٍ تركه بنفسه. وهنا يظهر معنى المبدأ: ليس رفضًا للأشخاص، بل احترامٌ للنفس، لأن العلاقات لا تقوم على الحضور المؤقت والغياب المتكرر، وإنما تقوم على الثبات والوفاء والوضوح.

الحياة تعلّم الإنسان أن الباب الذي يُفتح لكل من يغادر، يتحول مع الوقت إلى بابٍ بلا قيمة، وأن القلب الذي يقبل العودة بعد كل رحيل، يصبح ساحةً للتجربة لا موطنًا للاستقرار. لذلك يصبح الحسم ضرورة، لا قسوة، ويصبح الغلق النهائي حماية، لا انتقامًا.

ومن يغادر مرة، يعتاد الرحيل، لأن الرحيل في جوهره سلوك، والسلوك إذا تكرر صار طبعًا. أما من يبقى رغم كل شيء، فهو الذي يستحق أن يبقى في الدائرة، لأن البقاء في زمن التبدل موقف، والوفاء في زمن التقلب قيمة نادرة.

إن مبدأ "من يغادرني لا يعود" هو إعلان هدوءٍ داخلي، لا إعلان حرب؛ هو قرار بأن العلاقات يجب أن تكون واضحة، وأن القرب لا يُمنح مرتين لمن أهدره مرة، وأن الكرامة لا تقبل التجزئة. فليس كل من يعود يُستقبل، وليس كل من يطرق الباب يُفتح له، لأن بعض الأبواب إذا أُغلقت، أُغلقت احترامًا للنفس لا كراهيةً للآخر.

وفي النهاية، يبقى المعنى الأعمق هو أن الإنسان لا يمنع أحدًا من الرحيل، لكنه أيضًا لا يمنح أحدًا حق العودة بعد أن اختار المغادرة. فمن أراد القرب فليبقَ، ومن أراد البعد فليمضِ في طريقه، أما الرجوع بعد الاختيار فليس دائمًا ممكنًا، لأن بعض القرارات تُكتب مرة واحدة… ولا تُمحى.