دكتور محمد الشافعي
أشعلوا العقول
لماذا نُطالب الطالب بحفظ كتبٍ لم يحفظها مؤلفوها؟
كأننا ما زلنا نتصور أن التعليم عمليةُ ملءٍ، وأن عقل الطالب إناءٌ فارغ، كلما ازدادت المعلومات فيه ازداد علمًا. والحقيقة أن التعليم أرفع من ذلك بكثير؛ فالطالب ليس وعاءً نملؤه، بل شعلةً نُحسن إيقادها.
ليس المهم أن يخرج الطالب من قاعة الدرس محمّلًا بصفحاتٍ حفظها، وإنما أن يخرج منها بعقلٍ أكثر اتساعًا، وسؤالٍ أكثر عمقًا، وشغفٍ أشدَّ بالمعرفة.
فالمعلومات قد يطويها النسيان، والكتب قد تتغير، والمناهج قد تنتهي، أما القدرة على القراءة والتفكير والسؤال والبحث، فهي زادُ الإنسان في رحلةٍ لا تنتهي.
وعظمة المعلم ليست في قدرته على أن يملأ ذاكرة طلابه، وإنما في قدرته على أن يفتح نوافذ عقولهم؛ أن يوقظ فضولهم، ويحرّك شغفهم، ويجعلهم قادرين على أن يبحثوا عن المعرفة حين لا يكون هو حاضرًا.
فالمعلم الحقيقي لا يصنع طلابًا يحفظون ما قاله، بل يصنع عقولًا تستطيع أن تسأل عمّا لم يقله. تستطيع أن تربط وتقارن وتحلل.
ذلك هو التعليم الذي يبقى: أن تُشعل في الطالب نورًا، لا أن تثقل ذاكرته بحمولةٍ سرعان ما ينساها.
والتعليم الحقيقي كان وما زال عملية إيقادٍ وتنوير، لا مجرد شحنٍ وتخزين.


