2026-07-05

الزمالة والصداقة


 

دكتور محمد الشافعي 

ليست كل علاقة تجمع بين شخصين تستحق أن تُسمى صداقة، فهناك فرق كبير بين الزميل والصديق، وإن اختلط المفهومان في أذهان كثير من الناس.

فالزميل هو من جمعك به مكان عمل أو دراسة أو مصلحة مشتركة، وقد يتحول مع مرور الأيام إلى صديق حقيقي إذا قامت العلاقة على الاحترام والثقة والمواقف الصادقة. لكن هذا يظل استثناءً، لأن الأصل أن الزمالة ليست مرادفة للصداقة، ولا تكفي وحدها لتمنح صاحبها حق الدخول إلى عالمك الخاص.

وللأسف، فإن كثيرًا من العلاقات في مجتمعاتنا يغلب عليها التنافس غير الشريف، وتختلط فيها المصالح بالمجاملات، حتى يصبح بعض الزملاء أقرب إلى المنافسين منهم إلى الداعمين. ورغم أن هناك نماذج مشرقة تستحق التقدير، فإنها تبقى أقل عددًا من غيرها، وهو ما يفرض على الإنسان أن يتعامل بقدر من الحكمة والاتزان.

أما الصديق الحقيقي، فهو شخص يختاره القلب قبل العين، وتنعقد بينكما حالة من الانسجام النفسي والتوافق الفكري، فتشعر معه بالألفة والطمأنينة دون تكلف. ولا تُقاس الصداقة بطول السنوات، وإنما تُقاس بصدق المواقف، وحسن النوايا، والثبات عند الشدائد.

ومع ذلك، فإن الثقة لا تعني إلغاء الحدود. فالحكمة تقتضي ألا تجعل أحدًا شريكًا في جميع تفاصيل حياتك، مهما بلغت مكانته في نفسك، لأن الأيام تتبدل، والظروف تتغير، والنفوس قد تتقلب. وليس كل من كان قريبًا اليوم سيظل كذلك غدًا.

إن الحفاظ على مساحة من الخصوصية ليس دليلًا على سوء الظن، بل هو صورة من صور النضج وحسن التقدير. فاجعل علاقاتك قائمة على الاحترام والتعاون والمودة، لكن لا تجعل حياتك كتابًا مفتوحًا يقرأه الجميع. شارك الآخرين ما يناسب المشاركة، واحتفظ بما يخصك لنفسك، فبعض الأسرار لا يحسن بها إلا صاحبها.

إن أجمل العلاقات هي التي يجتمع فيها الود مع الحكمة، والثقة مع الحذر، والتداخل مع الخصوصية. فليس كل زميل صديقًا، وليس كل صديق يبقى صديقًا إلى الأبد، أما الإنسان الحكيم فهو من يمنح كل علاقة قدرها، ويحفظ لنفسه دائمًا مساحة لا يملك أبوابها أحد سواه.