كتب محمد الشافعي
الحب… أكذوبة كبرى، نسجت خيوطها بعناية، ودعمتها أيدٍ خفية بأغانٍ تنساب إلى القلوب كالسحر، وأفلام تسرد قصصًا تخلب الألباب، ومسلسلات تنسج الوهم في ثوب الحقيقة، حتى باتت الفكرة كالنار في الهشيم، لا تلبث أن تشتعل في النفوس فتلهبها، ولا تزال الألسنة ترددها كأنها مسلّمة لا جدال فيها.
إنه مخطط محكم، حلقاته مترابطة، تتضافر فيه الكلمات والألحان والصور لتغرس في العقول معنى زائفًا للحب، حتى صار وهمًا يهيمن على القلوب، ويدفعها إلى التوهم والانتشاء بما لا وجود له. عبد الحليم حافظ، أم كلثوم، وغيرهم من الشعراء والمطربين، كانوا أدواتٍ لهذا التوجه، يسكبون المشاعر المصطنعة في آذان الجماهير، فينخدعون ببريقها، ويرون في الحب جنةً موهومة، بينما هو في حقيقته سراب، يتبدد عند أول اختبار.
لقد أدركت هذه الحقيقة مبكرًا، ورأيت كيف يُخدع الناس تحت وطأة هذه العاطفة الموهومة، وكيف يسيرون وراء السراب طوعًا، ينسجون الأحلام من خيوط الوهم، حتى إذا ما اصطدمت بحقيقة الواقع، انهارت كبيتٍ واهنٍ من الرمال. لم تنزلق قدمي يومًا في هذا المستنقع، ولم أخضع لسحر هذا التيار الجارف، لأنني أيقنت منذ الصغر أن الحب الذي يتغنون به ليس إلا وهْمًا مصطنعًا.
الحب عندي ليس غزلًا ولا ولعًا ولا جنونًا عاطفيًا يبدد العقل ويهيم بصاحبه في أودية الهلاك، وإنما هو احترام، بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ومفردات. هو احترام الخصوصية، احترام الكيان، احترام الآخر، والتعامل برفق دون ابتذال أو افتعال. أما الصور التعبيرية التي ينظمها الشعراء، والعبارات التي تتناقلها الألسنة، فما هي إلا زينةٌ لفظية، لا تؤمن بها نفسي، ولا أرى لها وجودًا حقيقيًا في واقع الحياة، وإن وُجدت فهي ليست سوى تمثيل مصطنع، أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة.