2026-08-15

تصالح مع الذات


 

دكتور محمد الشافعي 

سلامٌ يبدأ من الداخل

من أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان أن يبلغ تلك المنطقة الهادئة من الحياة؛ حيث يسكن قلبه السلام، وتطمئن نفسه، ويشعر بالأمان والراحة، ويحيط به قدرٌ من السلام الاجتماعي يجعله أقل انشغالًا بالناس وأكثر انشغالًا بسلامه الداخلي.

وهذا السلام لا يبدأ من الخارج، وإنما يبدأ من البيت؛ من الأسرة التي ينبغي أن تكون موطن السكينة لا ساحة الحسابات. يبدأ من علاقة طيبة بين الزوجين، ومن الود والاحترام بين كل طرف وأهل الطرف الآخر. وما أجمل أن تنظر إلى والدي زوجتك باعتبارهما امتدادًا طبيعيًا لأسرتك، لا طرفًا آخر تقف معه على الواحدة، أو تبحث له عن الزلات.

حين تحضر المحبة والثقة والاحترام، تضيق مساحة التلكيك، وتسقط الرغبة في تصيد الأخطاء، ويصبح الاختلاف عابرًا لا يفسد للود قضية.

ثم يمتد هذا السلام إلى الجيران؛ فما أجمل أن تعيش بين أناسٍ يعرف كلٌّ منهم حدوده، يحفظ خصوصية غيره، ولا يجعل من حياة الآخرين مادةً للفضول والتدخل.

أما العمل، فله عندي قاعدة تعلمتها بعد ستة وثلاثين عامًا في الجامعة: الزميل زميل، وليس بالضرورة أن يكون صديقًا.

لا أقول إن تكون بينك وبين زملائك مودةٌ واحترامٌ وثقة أمرٌ سيئ، بل هو من أجمل ما يجعل بيئة العمل محتملة ومريحة. لكن الصداقة شيء آخر. وبخاصة زملاء القسم والتخصص؛ فالأصل أن تبقى العلاقة في إطارها المهني الراقي: محبة بلا ابتذال، وثقة بلا سذاجة، وقرب بلا كشفٍ كامل للخصوصيات. فليس كل من يشاركك مكتبًا أو تخصصًا يصلح أن تشاركه حياتك.

وهذه ليست دعوةً إلى سوء الظن، وإنما إلى حسن التقدير؛ فالعلاقات درجات، والحكمة أن تعرف لكل علاقة دائرتها وحدودها.

ويبقى أهم دوائر السلام: أن يتصالح الإنسان مع نفسه، وأن يحرص على ما يرضي الله، وأن يحتفظ بأخلاقٍ قديمةٍ كادت تضيع في زمنٍ كثرت فيه القسوة وقلّ فيه الأدب.

أن تتحدث بذوق، وتختلف بأدب، وتحترم الكبير والصغير، وأن تعامل الإنسان بما يليق بإنسانيته، حتى لو كان عامل نظافة في الطريق؛ فكرامة الإنسان لا تتحدد بمهنته، وإنما بما له من حرمةٍ وحق في الاحترام.

الحياة ليست في كثرة العلاقات، ولا في أن يكون الجميع أصدقاءك؛ بل في أن تعرف من تُقرّبه، ومن تُحسن معاملته، ومن تضع بينك وبينه مسافةً تحفظ بها الود.

فالسلام النفسي ليس أن تخلو حياتك من الناس، وإنما أن تخلو من العلاقات التي تُفسد سلامك.