الصفحات

2026-05-04

طمأنينة القلب


 

دكتور محمد العوادي 

في زحمة العلاقات الإنسانية، كثيرًا ما نُثقِل قلوبنا بتوقعات لا تحتملها طبائع البشر. نُراقب التفاصيل الصغيرة، ونُفتّش في النوايا، ونُحاسب على الزلات كما لو أن الكمال صفة أصيلة في الإنسان، لا استثناء نادر. وهنا تبدأ المعضلة: حين نُفرِط في التركيز، نفقد القدرة على الاستمرار في المحبة.

إن من أعمق ما يدركه المرء في رحلته مع الناس، أن الإنسان بطبيعته كائن متقلّب؛ يُصيب ويُخطئ، يُحسن ويُقصّر، يُشرق حينًا ويخبو حينًا آخر. وليس من العدل، ولا من الحكمة، أن نُطالبه بأن يكون على وتيرة واحدة من الكمال، أو أن نُقيده بصورة ذهنية رسمناها له، ثم نغضب حين يخالفها.

إن التمحّص المفرط في أفعال من نحب، يُحوّل المشاعر النبيلة إلى عبء ثقيل. فبدلًا من أن تكون المحبة مساحة رحبة للتسامح والتغافل، تصبح ساحة تحقيق دائمة، تُرهق القلب وتُفسد صفاء العلاقة. وحين يتسلل التدقيق إلى كل لفظة، ويُفسَّر كل تصرّف على أنه تقصير أو تقليل، فإننا—دون أن نشعر—نُسرّع في تآكل ما نحاول الحفاظ عليه.

وليس أخطر على النفس من العشم الزائد؛ ذلك الذي يُحمّل الآخرين ما لا يطيقون، ويجعلنا أسرى لانتظارات لا تتحقق. فكلما ارتفع سقف التوقعات، ازداد احتمال الخيبة، حتى يجد الإنسان نفسه عالقًا في دائرة من الإحباط، قد تجرّه إلى برود المشاعر أو قسوة الطبع، وربما إلى انطفاء الرغبة في العطاء.

من هنا تنبع الحكمة في أن يُعيد المرء ضبط بوصلته: أن يُحب بوعي، ويُعطي بصدق، دون أن يُعلّق قلبه بمقابل بشري متقلّب. أن يفعل الخير لأنه خير، لا لأنه سيُقابَل بالضرورة بالشكر أو التقدير. فحين يكون الدافع أسمى، يصبح العطاء أكثر نقاءً، وتغدو النفس أكثر سكينة.

إن إدراك بشرية الآخرين لا يُنقص من محبتنا لهم، بل يُنضجها. يجعلها أكثر رحابة، وأقل هشاشة أمام العثرات. وحين نتخفف من عبء التدقيق، ونُحسن الظن دون إفراط، ونغض الطرف عن الهفوات دون غفلة، نكتشف أن العلاقات تصبح أهدأ، وأن قلوبنا تصبح أخف.

وفي النهاية، ليس المطلوب أن نُقلّل من قيمة التقدير المتبادل، ولا أن نُبرّر الأخطاء، بل أن نُوازن بين التوقع والواقع، وأن نمنح المحبة فرصة للبقاء، بعيدًا عن صرامة التحليل وقسوة المحاسبة. فبهذا فقط، تظل القلوب عامرة، وتبقى العلاقات قابلة للحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق