دكتور محمد الشافعي
في مدينةٍ يسكنها المنافقون، حيث تُباع الأقنعة في الأسواق أكثر من الخبز، وتُرفع الشعارات الكاذبة فوق كل بيت، يصبح الصدق جريمةً تُهدِّد النظام القائم. هناك، لا يُقاس الناس بضمائرهم، بل بقدرتهم على تلوين وجوههم بما يناسب الموقف. الكذب هو العملة الرائجة، والنفاق هو بطاقة العبور، أما الحقيقة فهي قنبلة تهدد بانفجارٍ يفضح المستور.
في مثل هذه المدينة، يُعَدّ الصادق رجلاً خطيرًا؛ لأنه يُشبه المرآة التي تكشف الوجوه بلا مساحيق، وتفضح المستور بلا هوادة. إن كلمةً واحدة تخرج من فمه كفيلة أن تُربك المنظومة التي اعتادت على الزيف، وكافية أن تهدم أبراجًا بُنيت على الوهم. لذلك يُحاصرونه، يتهمونه، ويجعلون منه عدوًّا عامًا، لا لشيء سوى لأنه اختار أن يقول الحقيقة.
النفاق في جوهره هشّ، لكنه يبدو متماسكًا ما دام الجميع يتواطأ على الصمت. فإذا نطق صادقٌ واحد، اهتزت القواعد وارتجف البنيان. ولهذا، فإن المجتمع المنافق يخاف من الصادق كما يخاف الليل من الفجر، لأنه يدرك أن لحظة انبلاج الحقيقة كفيلة بمحو عصور الظلام.
لكن يبقى السؤال: من هو الخطر الحقيقي؟ أهو الصادق الذي ينطق بما يراه حقًا، أم ذاك الذي يلبس كل يوم وجهًا جديدًا، فيخدع الناس، ويشوّه القيم، ويزرع الزيف في النفوس؟
إن مدينة المنافقين، مهما علا فيها صوت الكذب، ستظل ترتجف أمام كلمة صدق واحدة، لأن الحقيقة لا تموت، ولو تآمر عليها ألف قناع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق