الصفحات

2026-05-04

حين تتغير القلوب

 


دكتور محمد الشافعي 

كلُّ إنسانٍ له طاقةٌ محدودةٌ من الاحتمال، وله قلبٌ يَسَعُ ويَضيق، يُقبل ويُعرض، يُضيء ويخبو. وليس في تقلّبِ القلوب عيبٌ مُطلق، بقدر ما هو سُنّةٌ إنسانية تُعبّر عن تفاعل الداخل مع الخارج، وعن أثر التجارب في تشكيل الوجدان.

إننا حين نُبالغ في الأخذ دون عطاء، أو نُسيء حيث يُنتظر الإحسان، فإننا نُثقل كفّة القلب حتى تميل، ونستنزف طاقته حتى تنفد. فليس من العدل أن نطالب إنسانًا بالثبات على حالٍ واحد، بينما نحن نُغيّر في دواخله كلَّ يومٍ سببًا جديدًا للفتور أو الانصراف.

القلب الذي يصفو يومًا، قد يعكره الإهمال يومًا آخر، والذي يقترب بدافع المودة، قد يبتعد بدافع الجرح. وما بين الصفاء والكدر، مسافةٌ يصنعها التعامل، وتُرسم تفاصيلها بالكلمة والموقف والنظرة. لذلك فإن الحفاظ على الود ليس مهمة عابرة، بل مسؤولية مستمرة، تحتاج إلى وعيٍ ورعايةٍ واتزان.

إن طاقة القلب ليست بلا حدود، والقلوب لا تُرهَق فجأة، بل تُستنزف بالتراكم. كلمةٌ جارحة، موقفٌ مُخيّب، غيابُ تقدير، تكرارُ تجاهل… كلها قطراتٌ تملأ إناء الصبر، حتى إذا امتلأ فاض، وإذا فاض تغيّر الحال.

ومن الحكمة أن يُدرك الإنسان أن العلاقات لا تُحفظ بحُسن النية وحده، بل بحُسن الفعل أيضًا. فليس كافيًا أن تُحب، بل ينبغي أن تُحسن التعبير عن هذا الحب، وأن تُجيد صيانته من عوامل التآكل.

فإذا رأيت قلبًا تغيّر، فلا تعجل بالحكم عليه، بل انظر فيما قُدّم له، وما حُمِّل به، وما افتقده. فربما لم يتبدّل إلا لأنه أُجبر على ذلك، ولم ينصرف إلا لأنه لم يجد ما يُبقيه.

وهكذا تظل القلوب مرايا صادقة، تعكس ما يُلقى فيها، وتُجسّد أثر ما يُزرع بها. فمن أراد دوام الود، فليُحسن الغرس، وليُراعي السقي، وليعلم أن القلوب—وإن صبرت طويلًا—فإنها لا تُطيق ما لا يُطاق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق