الصفحات

2026-01-09

نموذج اداري

 


مهندس عاصم شاكر 

في كثير من المؤسسات التي اعتادت الانحدار الإداري، لا يكون الخلل وليد لحظة عابرة، بل نتاج نهجٍ متجذر يقوم على ما يمكن تسميته بـ مبدأ تولية الأسوأ. وهو مبدأ لا يهدف إلى الإدارة بقدر ما يهدف إلى السيطرة، ولا يسعى إلى البناء بقدر ما يرسّخ الاستتباع والولاء الأعمى.

حين يمسك شخص واحد بزمام الأمور، ويخشى الكفاءة الحقيقية، فإنه يلجأ – عن وعيٍ كامل – إلى إحاطة نفسه بنماذج ضعيفة، خاوية من الموهبة والإنجاز، لكنها بارعة في نقل الكلام، وصناعة الوقيعة، وتلوين الحقائق بما يخدم مصالحه. فيختنق هذا المبدأ داخل المؤسسة حتى يصبح هو القاعدة لا الاستثناء، وتتحول المواقع القيادية إلى مكافآت لمن يجيدون الطاعة لا لمن يمتلكون القدرة.

ومن أوضح تجليات هذا النهج، بروز شخصيات لا تملك من أدوات الصعود سوى الفساد الإداري والدعم القادم من أعلى السلم الوظيفي. شخصيات فشلت في تخصصها قبل أن تفشل في الإدارة، لكنها نجحت في أمر واحد فقط: أن تكون عينًا ترى بها القيادة، وأذنًا تسمع بها ما تريد سماعه. فهي تنقل الواقع لا كما هو، بل كما تشتهيه، وتعيد صياغة الأشخاص وفق مشاعرها الخاصة؛ من تحبه ترفعه، ومن تكرهه تشوّهه، حتى لو شهد الجميع بكفاءته.

ولا تقف خطورة هذه النماذج عند حد التشويه المعنوي، بل تمتد إلى إهدار الحقوق. فتُحجب المكافآت، وتُلفّق الاتهامات، ويُتهم المجتهد بالتقصير، لا لشيء إلا لأنه لم يكن جزءًا من شبكة الولاء. ويصبح الكذب أداة إدارة، والنميمة وسيلة حكم، بينما تُقصى الكفاءات الحقيقية التي تشهد لها أهم وحدات المؤسسة وأكثرها حساسية، كوحدات الجودة التي لا تقوم إلا على الانضباط والمعايير.

إن أخطر ما في هذا النموذج أنه لا يفسد الحاضر فقط، بل يقتل المستقبل. فهو يبعث برسالة واضحة لكل مجتهد: لا مكان لك هنا. ويعلّم الأجيال الجديدة أن النجاح لا يتحقق بالعمل ولا بالإبداع، بل بالقرب من مراكز النفوذ ولو على حساب القيم.

وهكذا، تتحول المؤسسة من كيانٍ يُفترض أن يخدم العلم أو العمل أو المجتمع، إلى ساحة صراع صغيرة، تحكمها الأهواء الشخصية، وتدار بمنطق الإقصاء لا الإصلاح. وفي النهاية، لا يسقط الأفراد وحدهم، بل تسقط المؤسسة نفسها، حين تختار الفشل حليفًا، وتمنحه المناصب، وتقصي كل ما عداه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق