الصفحات

2026-01-29

خير الأصدقاء


 

مهندس عاصم شاكر 

ليست الصداقة كثرةَ أسماءٍ في سجلّ الحياة، ولا ازدحامَ وجوهٍ حول المائدة، بل هي صفاءُ معنى، ودقّةُ اختيار، ووعيٌ بقيمة الإنسان حين يُصاحب إنسانًا. ولهذا قيل إن خير الأصدقاء ثلاثة، لا يجتمعون كثيرًا، لكن من ظفر بهم فقد ظفر بثروةٍ لا تنفد.

أولهم صديقٌ يُحسن المعاملة؛ كريمُ الخلق قبل أن يكون كريمَ اليد، لطيفُ السلوك في الرخاء والشدة، لا يُثقل القلب بغلظة، ولا يجرح الروح بلسان. هذا الصديق يعرف كيف يختلف دون أن يهين، وكيف ينصح دون أن يجرح، وكيف يقترب دون أن يتعدّى. معاشرته راحة، والقرب منه سكينة، وملازمته غنيمة؛ لأنه يُذكّرك دائمًا بأن الأخلاق الجميلة ليست ترفًا، بل ضرورة للحياة المشتركة.

وثانيهم صديقٌ يُحسن الفهم؛ نبيهُ العقل، واسعُ الأفق، لا يتعجّل الحكم ولا يختصر الناس في مواقف عابرة. يفهم الكلام قبل أن يُقال، ويدرك المقاصد خلف العبارات، ويقرأ الصمت كما يقرأ الحروف. هذا الصديق يُنصفك حين تخطئ، لا لأنك معصوم، بل لأنه يدرك ضعف الإنسان وتعقيد النفس. وجوده ميزانٌ للعدل في لحظات الارتباك، ومرآة صادقة تُريك نفسك دون تشويه، فاستحق أن يُنصَف كما يُنصف غيره.

وثالثهم صديقٌ يُحسن الظن؛ نبيلُ القلب، طاهرُ السريرة، لا يفتّش عن العيوب ولا يصطاد الزلات. يمنحك الثقة قبل أن تطلبها، ويمنح الأعذار قبل أن تُقدّمها. حسن الظن عنده ليس سذاجة، بل اختيار أخلاقي راقٍ، يُدرك به أن الناس أضعف من أن يُدانوا بكل هفوة، وأثمن من أن يُختزلوا في خطأ. هذا الصديق يُنقّي العلاقات من الشك، ويمنحها عمرًا أطول، ولذلك كان أحقّ بالإكرام.

وإذا تأمّلنا هذه الأنواع الثلاثة، أدركنا أن الصداقة الحقيقية ليست في كثرتها، بل في جودتها؛ صديقٌ يُحسن المعاملة فيُطمئنك، وصديقٌ يُحسن الفهم فيُنصفك، وصديقٌ يُحسن الظن فيُكرمك. ومن جمع الله له هؤلاء، فقد جمع له أسباب الطمأنينة، وعدّة الطريق، ورفقة العمر التي لا تُرهق الروح ولا تُثقِل القلب.

تلك هي الصداقة كما ينبغي أن تكون: أخلاقٌ تُعاش، وعقولٌ تُنصف، وقلوبٌ تُحسن الظن. وما دون ذلك، فمعارف عابرة، تمضي كما تمضي الأشياء التي لم تُبْنَ على معنى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق