الصفحات

2026-01-29

الأرز المعجن

 


مهندس عاصم شاكر  

الأرز المعجَّن: ذوق ثقافي لا خطأ في الطهي

يظن كثيرون أن الأرز الجيد هو ذلك المفلفل، المتماسك الحبة، المنفصل القوام، ويُعدّون ما عداه إخفاقًا في الطهي أو قلة خبرة. غير أن هذا التصور ليس قاعدة عالمية، بل هو انعكاس لذوق ثقافي محلي، لا أكثر.

في مساحات واسعة من آسيا وأفريقيا، يُفضَّل الأرز المعجَّن أو اللزج عمدًا، ويُنظر إليه بوصفه الشكل الطبيعي والمحبب للأرز، لا عيبًا ولا طارئًا. هذا النمط من الطهي متجذر في العادات الغذائية، ومرتبط بطريقة الأكل نفسها، وأحيانًا بطريقة تقديم الطعام وتقاسمه.

في شرق وجنوب شرق آسيا، لا سيما في اليابان وكوريا وجنوب الصين وتايلاند ولاوس وفيتنام، يُطهى الأرز من حبوب قصيرة أو متوسطة، ذات نسبة نشا مرتفعة، فتخرج الحبات متماسكة، لينة، تميل إلى الالتصاق. هذا القوام ليس عرضًا جانبيًا، بل شرط أساسي للأكل بالعصي أو باليد، ولتشكيل كتل صغيرة يسهل تناولها دون أن تتناثر.

أما في عدد من مناطق أفريقيا، خصوصًا في الغرب والشرق، فيظهر الأرز المعجَّن في أطباق جماعية تُؤكل بالمشاركة، حيث يُفضَّل القوام الطري الذي يحتفظ بالرطوبة ويتجانس مع الصلصات واليخنات. هنا، يصبح تماسك الأرز جزءًا من التجربة الغذائية، لا خللًا فيها.

الفارق الجوهري بين الأرز المفلفل والأرز المعجَّن لا يعود إلى جودة أو رداءة، بل إلى اختلاف النوع المستخدم، وكمية الماء، وطريقة الطهي، والأهم: الذوق الثقافي. فكما أن لكل مجتمع طريقته في الخبز أو اللحم أو التوابل، فإن للأرز أيضًا هويته المتعددة.

إن النظر إلى الأرز المعجَّن بوصفه “طهيًا خاطئًا” يكشف عن مركزية ذوق واحد، لا عن حقيقة مطلقة. فالمطبخ، في جوهره، مرآة للبيئة والعادة والتاريخ، وما يبدو غريبًا في ثقافة، قد يكون هو الأصل في ثقافة أخرى.

وهكذا، يبقى الأرز – مفلفلًا كان أو معجَّنًا – شاهدًا بسيطًا على تنوع البشر، واختلاف أذواقهم، وثراء طرقهم في التعامل مع أبسط عناصر الطعام.

هناك تعليق واحد: